الإعلامى خالد مصطفى يكتب : صراع المال صورة فاضحة لدعاة الحفاظ على الوطن
في السنوات الأخيرة لم يعد الحديث عن المال في السياسة مجرد همس في الكواليس بل أصبح سؤالاً مطروحاً بقوة في الشارع إلى أي مدى يمكن أن يصل تأثير المال على تشكيل البرلمانات وصناعة القرار فالأرقام لا تعود مجرد أرقام تتحول إلى مرآة تكشف
ما تحت السطح وعندما يتردد في المجال العام رقم خيالي كمائتي مليون جنيه مقابل مقعد برلماني فالقضية لم تعد صحة الرقم من عدمه بل ما الذي جعل الناس مستعدين لتصديقه أصلاً حيث تتردد بين الحين والآخر روايات صادمة عن أرقام فلكية تُدفع مقابل ضمان مقاعد برلمانية أرقام تبدو أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع لكنها تعكس في جوهرها شعوراً متزايداً لدى قطاع من المواطنين بأن العملية السياسية لم تعد متاحة على قدم المساواة للجميع سواء كانت هذه الأرقام دقيقة أو مبالغاً فيها فإن مجرد تداولها يكشف عن أزمة ثقة حقيقية المشكلة ليست فقط في صحة الرقم من عدمه بل في البيئة التي تسمح بانتشار مثل هذه الروايات حين يشعر الناس أن الوصول إلى البرلمان قد يرتبط بالقدرة المالية أكثر من الكفاءة أو الشعبية فإن ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول العدالة السياسية وتكافؤ الفرص هل أصبح العمل العام حكراً على من يملك المال وهل يمكن لصوت المواطن البسيط أن ينافس نفوذ رأس المال لا يمكن إنكار أن الحملات الانتخابية في أي دولة تحتاج إلى تمويل، وأن العمل السياسي يتطلب موارد لكن الفارق كبير بين التمويل المشروع والشفاف وبين تحول المال إلى أداة حاسمة لشراء النفوذ أو التأثير في الحالة الأولى يكون المال وسيلة لدعم الأفكار والوصول إلى الناس أما في الحالة الثانية فيصبح غاية في حد ذاته ويختل معه ميزان التمثيل الشريف الأخطر من ذلك أن ترسخ هذه الصورة في الوعي العام يؤدي إلى عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية عندما يقتنع الناخب أن النتائج محسومة سلفاً أو أن اللعبة تُدار بعيداً عنه فإنه يفقد الحافز للمشاركة وهو ما يضعف الحياة الديمقراطية ككل الحل لا يكمن فقط في نفي أو تأكيد هذه الروايات بل في بناء منظومة شفافة وواضحة تحكم تمويل الأحزاب والانتخابات مع رقابة حقيقية ومساءلة فعّالة لأن الشفافية ليست رفاهية بل ضرورة لاستعادة الثقة وكذلك فتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية بعيداً عن سطوة المال فإصلاح هذا المشهد لا يبدأ من الرد على الشائعات بل من سد الفراغ الذي يسمح لها بالانتشار فالنزاهة الحزبية شرط أساسي للثقة فالقوانين واضحة ويجب ان تكون الرقابة حقيقية والإعلان صريح عن مصادر التمويل ومحاسبة لا تستثني أحداً فهذه ليست شعارات بل أدوات لإعادة التوازن اذاً ليست المشكلة في رقم يُقال هنا أو هناك بل في سؤال أكبر يفرض نفسه هل ما زالت السياسة مجالاً مفتوحاً لكل من يملك فكرة أم أنها تضيق تدريجياً لتصبح حكراً على من يملك القدرة على الدفع فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المستقبل لا لأي حزب أو برلمان فقط بل لفكرة المشاركة نفسها وبالتالى لا تقاس قوة أي نظام سياسي بحجم الأموال التي تُنفق فيه بل بمدى قدرته على تمثيل الناس بعدالة وإعطاء الفرصة لكل من يملك فكرة أو رؤية أن يصل دون أن يكون رصيده البنكي هو العامل الحاسم