الإعلامى خالد مصطفى يكتب : مابين غرفة العمليات وباب السماء يرتفع الدعاء

هناك لحظات في الحياة لا تشبه غيرها
لحظات يتوقف فيها الزمن ويصبح لكل ثانية وزنها ولكل دعوة معنى ولكل نبضة قلب حكاية ومن أصعب تلك اللحظات على أي أب أو أم لحظة دخول الابن إلى غرفة العمليات فما أقسى أن يرى الأب ابنه يسير أمامه ثم يقف عند باب لا يستطيع أن يعبره معه ان لحظة دخول محمد إلى غرفة العمليات لم تكن مجرد دقائق عابرة بل كانت عمراً كاملاً اختُصر في لحظة شعرت وكأن قلبي هو الذي دخل تلك الغرفة وبقي جسدي في الخارج ينتظر خبراً يعيد إليه الحياة في تلك اللحظة شعرت بالعجز عجز لم أشعر به من قبل حيث تقف الكلمات صامتة وتتوارى القوة التي طالما تظاهرت بها فلا يبقى إلا قلب يرتجف وعين تفيض بالدعاء وروح معلقة بين الأرض والسماء ترجو رحمة الله ولطفه في تلك اللحظات لا يبقى منصب ولا مال ولا جاه ولا قدرة حيث يقف الإنسان مجرداً من كل شيء إلا من إيمانه ودمعة يحاول أن يخفيها ودعوة يرفعها إلى السماء وهو يعلم أن الله لا يرد قلباً انكسر بين يديه
عندما رأيت ابني محمد وهو يدخل غرفة العمليات شعرت أن قطعةً من روحي تسير بعيداً عني تمنيت لو أستطيع أن أتحمل عنه الألم أو أن أكون مكانه لكنني أدركت أن هناك باباً لا يُغلق أبداً وهو باب الدعاء وأن هناك رباً كريماً إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون في تلك اللحظات يثبت اليقين بالله وحده لندرك أن كل الأسباب مهما عظمت تبقى بين يدي مسبب الأسباب وأن قلوبنا لا يطمئنها إلا قوله تعالى: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾
يا الله
إن كان الخوف قد ملأ قلبي فإن رحمتك أوسع
من خوفي وإن كانت عيناي تترقبان خروج ابني
فإن عين عنايتك لا تغفل عنه طرفة عين اللهم إن محمد ليس مجرد إسم في سجلات المرضى بل هو قطعة من قلبي ونبض أيامي وابتسامة بيتي وسر سعادتي اللهم إني استودعتك إياه والاستيداع عندك لا يضيع اللهم يا أرحم الراحمين يا من بيده الشفاء، اشفى ابني محمد شفاء لا يغادره سقماً اللهم اجعل العملية يسيرة ووفق الأطباء لكل خير وألبسه لباس الصحة والعافية وأعده إلينا سالماً مطمئناً واجعل ما أصابه رفعة في درجاته وتكفيراً لذنوبه ولا ترنا فيه بأساً يبكينا
يا رب…
إنك تعلم أن الأب يتمنى لو يأخذ الألم كله عن ولده ولو استطاع لافتداه بعمره وصحته ونبض قلبه ولكنك يا الله أرحم به مني وأحن عليه مني وأعلم بحاله مني فأودعته رحمتك التي وسعت كل شيء وسأظل على يقينٍ بأن خلف هذا الباب المغلق رحمة يكتبها الله وأن بعد هذا الانتظار فرحة عظيمة وأن بعد كل دعاء صادق قدراً جميلاً
لا يراه إلا من أحسن الظن بربه وإلى كل أب وأم يعيشون هذه التجربة القاسية أسأل الله أن يربط على قلوبكم وأن يجعل الخوف الذي يسكن صدوركم طمأنينة والدموع التي تملأ أعينكم فرحاً قريباً وأن يرزق أبناءكم الشفاء والعافية اللهم
لا تجعل انتظارنا طويلاً إلا بما يحمل من الخير
ولا تخرج محمد من غرفة العمليات إلا وقد أتممت عليه نعمة الشفاء وألبسته ثوب العافية وجعلت هذه الساعات آخر أوجاعه وأول أيام صحته وسأبقى أردد مهما اشتد الخوف
حسبي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
وسأبقى مؤمناً أن الله لا يخذل قلباً تعلق به ولا يرد يداً ارتفعت إليه ولا يضيع دمعة خرجت خوفاً على فلذة كبد وسيأتي يوم نتذكر فيه هذه الساعات لا لنستعيد ألمها بل لنحمد الله على لطفه الذي كان يحيط بنا ونحن لا نراه وعلى رحمته التي كانت أقرب إلينا من خوفنا اللهم يا شافي يا كافي يا من إذا أردت شيئاً قلت له كن فيكون اشفى محمد شفاءً كاملاً واجعل أول خبر نسمعه عنه بشرى تشرح الصدور وأول دمعة بعد هذه اللحظات دمعة فرح وسجود لك حمداً وشكراً