القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الاعلامى خالد مصطفى يكتب : الجفاف أكبر أزمة تواجه البريطانيين

من حقول القمح إلى رفوف المتاجر الجفاف يهدد الإنتاج المحلي ويفتح الباب أمام واردات أكثر كلفة وأسعار غذاء أعلى إذا لم تعد أزمة الجفاف في بريطانيا مجرد قضية بيئية تتعلق بانخفاض منسوب الأنهار
أو تراجع مخزونات المياه بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة البلاد على حماية أمنها الغذائي في مواجهة طقس أكثر تطرفاً فحتى 10 أغسطس أصبحت نسبة الجفاف 71.3% من المساحة الكلية لإنجلترا رسمياً ضمن نطاق موجة الجفاف التى كست البلاد في واحدة من أكثر موجات الجفاف اتساعاً التي شهدتها البلاد خلال عقود فالحرارة المرتفعة وانخفاض غير مسبوق في معدلات الأمطار خاصة في جنوب شرق إنجلترا حيث بلغت الأمطار فى شهر يوليو الماضى نحو 1% فقط من المعدل المتوقع حسب ماذكرت وكالة رويترز لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس مساحة الأراضي المتضررة بل ما سوف يحدث داخلها فالمزارعون البريطانيون يواجهون موسماً صعباً بصورة استثنائية وتشير أحدث التقديرات إلى أن إنتاج القمح قد ينخفض بنحو 14% هذا العام فيما تراجع إنتاج الشوفان بما لا يقل عن 9% كما ستنخفض كل المحاصيل الزراعية إلى النصف والمشكلة لا تتوقف عند الحبوب فالحرارة المرتفعة أرهقت الثروة الحيوانية بينما أدى تراجع نمو الأعشاب والمراعي إلى إجبار بعض مربي الماشية على استخدام الأعلاف الشتوية في وقت مبكر عن المعتاد كما بدأت موجة الجفاف تضغط على إنتاج الخضروات التي تعتمد بصورة أكبر على مياه الري وبذلك أصبح الجفاف حلقة ضغط على سلسلة الغذاء بأكملها ماء أقل محصول أقل أعلاف أغلى إنتاج حيواني أضعف ثم تكلفة أعلى تصل في النهاية إلى المستهلك وفى ظل هذه الظروف الصعبة لا بديل عن الإستيراد فبدأت الحكومة البريطانيا الإعتماد على الأسواق العالمية لتغطية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية ولذلك فإن تراجع الإنتاج المحلي لا يعني بالضرورة أن رفوف المتاجر ستفرغ فوراً لكن المشكلة أن الاستيراد نفسه لم يعد ضمانة رخيصة فالجفاف والحرارة لا يضربان بريطانيا وحدها إذ تواجه أجزاء واسعة من أوروبا ظروفاً مناخية قاسية مما يعني أن البحث عن الحبوب أو المنتجات الزراعية في الخارج قد يصبح أكثر تكلفة في الوقت الذي ترتفع فيه المنافسة العالمية على المحاصيل وهنا تتحول الأزمة من مشكلة إنتاج بريطاني إلى مشكلة أسعار وسلاسل إمداد فالبلد الذي يخسر جزءاً من محصوله المحلي يحتاج إلى تعويضه من الخارج وإذا كان المنتج المستورد أغلى فإن الفاتورة تنتقل تدريجياً من المزارع إلى المصنع، ومن المصنع إلى المتجر ومن المتجر إلى جيب المستهلك فقد وضع الجفاف ايضاً الحليب تحت ضغط الحرارة فقطاع الألبان ليس بمنأى عن الأزمة لأن ارتفاع درجات الحرارة أثر بصورة مباشرة على الماشية وقلل من إنتاج الحليب في وقت يعاني فيه المزارعون أصلاً من ارتفاع تكاليف التشغيل والأعلاف والطاقة والعمالة وقد أشارت أحدث التقارير إلى أن الإجهاد الحراري الذي تتعرض له الأبقار بدأ ينعكس على إنتاج الحليب بينما أدت خسائر المحاصيل إلى زيادة تكلفة الأعلاف التي تحتاجها الماشية حسب ماجاء فى صحيفة التايمز وهكذا
لا يصبح الجفاف مشكلة تخص مزارعى الحبوب وحدهم بل انتقل أثره إلى اللحوم والحليب ومشتقاتهما أيضاً والأزمة تطورت حتى وصلت إلى الخبز اليوم حتى وصلت لخطر التضخم الغذائي فمن المهم التمييز بين مفهومين بريطانيا لا تواجه حالياً مجاعة أو انهياراً شاملاً في إمدادات الغذاء لكنها تواجه شيئًا أكثر تعقيداً وهو تزايد هشاشة منظومة الغذاء أمام الصدمات المناخية وهذا هو الجانب الأخطر في الأزمة فإذا تراجعت المحاصيل وارتفعت تكلفة الأعلاف وانخفض إنتاج بعض المنتجات الزراعية واضطرت البلاد إلى زيادة الواردات في وقت تعاني فيه الأسواق الخارجية نفسها من ظروف مناخية صعبة فإن النتيجة الطبيعية ستكون مزيداً من الضغوط التضخمية وقد حذرت جهات عديدة في قطاع الأغذية من أن تداعيات موجة الحر والجفاف يمكن أن تمتد إلى العام المقبل مع احتمال ارتفاع أسعار بعض المنتجات ونقص بعض المحاصيل المحلية فالمشكلة الأعمق أن ما يحدث لا يبدو مجرد حادث مناخي عابر لأن بريطانيا شهدت خلال هذا الصيف موجات حرارة متكررة فيما تتجه البلاد نحو تسجيل واحد من أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق وفي الوقت نفسه تراجعت مستويات المياه وازدادت مخاطر حرائق الغابات بينما اضطر المزارعون إلى تغيير مواعيد وأساليب الحصاد للتكيف مع الظروف القاسية وهذا يعني أن المزارع البريطاني لم يعد يتعامل فقط مع سؤال ماذا أزرع .. ؟ بل أصبح مضطراً إلى التفكير في أسئلة أكبر هل ستكون هناك مياه كافية هل ستصل درجات الحرارة إلى مستويات تضر بالمحصول هل يمكن تأمين الأعلاف هل سيكون الاستيراد متاحاً وبسعر مقبول وهل يستطيع المستهلك تحمل السعر النهائي فالأزمة كشفت نقطة ضعف قديمة والجفاف الحالي كشف هشاشة لا ترتبط بالمناخ وحده
فالقطاع الزراعي البريطاني يعاني في الوقت نفسه من ارتفاع تكاليف العمالة وصعوبات استقطاب العمال المهرة وتغيرات في الدعم الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج وقد حذرت شركة الألبان Arla من أن نقص العمالة الماهرة أصبح يمثل ضغطاً إضافياً على الأمن الغذائي البريطاني في وقت يتزامن فيه ذلك مع الجفاف وارتفاع تكاليف التشغيل أي أن بريطانيا تواجه تراكم أزمات أكثر من كونها أزمة واحدة فالمناخ يضغط على الأرض والتكاليف تضغط على المزارع وسلاسل الإمداد تضغط على المستورد والتضخم يضغط على المستهلك فهل تستطيع بريطانيا منع الأزمة قبل وصولها إلى المتاجر فالحكومة بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات لمساعدة المزارعين من بينها تسهيل إنشاء خزانات ري داخل المزارع في محاولة لزيادة قدرة القطاع الزراعي على مواجهة نقص المياه لكن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لمواجهة تغير أصبح أسرع من قدرة البنية التحتية على التكيف فالأمن الغذائي لا يعني فقط امتلاك مخزون من الغذاء بل إنه يعني امتلاك مياه كافية، ومزارعين قادرين على الإنتاج وبنية تحتية للري والتخزين وسلاسل توريد مرنة وقدرة مالية على امتصاص الصدمات ومن هذه الزاوية أصبح الجفاف الحالي إنذاراً استراتيجيًا لبريطانيا قد تنتهي موجة الحر وقد تأتي الأمطار في الخريف وقد تتحسن بعض المحاصيل في الموسم المقبل لكن التحدي الحقيقي سيبقى إذا أصبحت موجات الحر والجفاف أكثر تكراراً فلن يكون بإمكان بريطانيا التعامل مع كل موسم صعب باعتباره حالة استثنائية حتماً ستحتاج بريطانيا إلى الاستثمار في المياه وتوسيع قدرات التخزين والري وتطوير أصناف زراعية أكثر تحملاً للحرارة والجفاف ودعم المزارعين في مواجهة المخاطر المناخية وتنويع مصادر الاستيراد بدل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق فالدرس الذي تفرضه حقول إنجلترا هذا الصيف واضح لأن الأمن الغذائي لا يبدأ من رف السوبرماركت بل يبدأ من قطرة الماء التي تصل إلى التربة وإذا لم تُعامل المياه والزراعة باعتبارهما جزءاً من الأمن القومي فقد تكتشف بريطانيا أن المشكلة التي بدأت في الحقول انتهت في النهاية عند صندوق الدفع في السوبر ماركت فالجفاف في هذه الحالة لا يجفف الأرض فقط إنه يرفع تكلفة الغذاء ويختبر قدرة الدولة على حماية مائدة مواطنيها ويكشف الثمن الاقتصادي المتزايد لعالم أكثر حرارة لأن بريطانيا تمتلك اقتصاداً متقدماً وأسواقاً عالمية وبنية تحتية ضخمة قد لا تواجه خطر الجوع بسبب غياب الطعام بل بسبب ارتفاع كلفة إنتاجه وتأمينه في عالم لم يعد المناخ فيه قابلاً للتنبؤ كما كان إنها ليست نهاية الأمن الغذائي البريطاني لكنها بكل تأكيد جرس إنذار لا ينبغي تجاهله

الدولة على حماية مائدة مواطنيها ويكشف الثمن الاقتصادي المتزايد لعالم أكثر حرارة لأن بريطانيا تمتلك اقتصاداً متقدماً وأسواقاً عالمية وبنية تحتية ضخمة قد لا تواجه خطر الجوع بسبب غياب الطعام بل بسبب ارتفاع كلفة إنتاجه وتأمينه في عالم لم يعد المناخ فيه قابلاً للتنبؤ كما كان إنها ليست نهاية الأمن الغذائي البريطاني لكنها بكل تأكيد جرس إنذار لا ينبغي تجاهله

اترك رد