القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الاعلامى خالد مصطفى يكتب : اوروبا تحترق

حين تخرج الاحتجاجات إلى الشوارع في 6 دول أوروبية من فرنسا إلى البرتغال وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم المظاهرات أو عدد المشاركين فيها بل بما تكشفه هذه التحركات عن عمق الأزمة التي تواجهها القارة العجوز وعن اتساع الفجوة بين تطلعات الشعوب وقدرة الحكومات على الاستجابة لمطالبها
مشاهد الاحتجاجات في أوروبا تطرح سؤالاً
أكبر من المظاهرات نفسها هل بدأت القارة التي طالما قدّمت للعالم كنموذج للرفاهية والاستقرار تدفع ثمن أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فأصوات المتظاهرين الآن ليست مجرد ضجيج في الشوارع ولن تكون فيها ألسنة اللهب التي تضيء بعض الساحات مجرد مشاهد عابرة بل تحولت إلى إنذار مبكر بأن شيئاً عميقاً يتغير في المجتمع وأن المسافة بين المواطن والحكومة أصبحت أكبر مما تحتمله الأوضاع فأوروبا تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية متراكمة من ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات السكن والطاقة إلى القلق على الوظائف ومستقبل الصناعات وتصاعد الخلافات حول الهجرة والإنفاق العام والسياسات الحكومية لكن من المهم التركيز على اتساع الاحتجاجات في عدة دول كحدث لم يحدث منذ مئات السنين
فاليوم حين تتردد أنباء الاحتجاجات والاضطرابات في عدد من الدول الأوروبية فإن المشهد يستحق قراءة تتجاوز الصور الصادمة والعناوين المثيرة فالقضية ليست في عدد الشوارع التي أُغلقت
ولا في حجم المواجهات وإنما في الأسباب التي تدفع الناس إلى النزول إلى الشارع وفي قدرة الحكومات على استعادة الثقة قبل أن تتحول الأزمات المتراكمة إلى مأزق سياسي واجتماعي يصعب احتواؤه فأوروبا ليست قارة فقيرة
وليست عاجزة عن امتلاك الموارد والمؤسسات والخبرات لكنها تواجه معادلة شديدة التعقيد فكيف تحافظ على مستوى المعيشة الذي اعتادته شعوبها بينما تتزايد الضغوط على الاقتصادات وترتفع تكاليف السكن والطاقة والخدمات وتتسع المخاوف بشأن الوظائف والدخول ومستقبل الأجيال الجديدة فالمواطن الأوروبي الذي اعتاد
أن يرى في العمل ضماناً لحياة كريمة وفي الدولة شبكة أمان اجتماعي وفي المستقبل مساحة أوسع من الفرص قد يجد نفسه اليوم أمام حسابات أكثر قسوة راتب يتآكل أمام الأسعار وسكن يبتعد عن متناول الشباب وأعباء يومية تتزايد وشعور بأن الوعود السياسية لا تتحول دائماً إلى حلول ملموسة إن ما تشهده القارة في هذه اللحظة لم يعد مجرد احتجاجات متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً عادية فبحسب تقارير منشورة في 17 و18 أكتوبر 2026 خرج مئات الآلاف في مظاهرات متزامنة وإن كانت غير منسقة احتجاجاً على غلاء المعيشة وتكاليف السكن وتراجع الخدمات العامة وشهدت مدن فرنسية أعمال عنف وحرائق ونهب بينما امتدت الاحتجاجات إلى إيطاليا والبرتغال وبلجيكا وألمانيا وألبانيا
فالمشهد الأخطر أن الغضب لا يصدر عن فئة واحدة بل يتغذى من أزمات تمس حياة المواطنين اليومية فحين تتآكل القوة الشرائية وتصبح الرواتب أقل قدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية وحين يتحول الحصول على مسكن مناسب إلى عبء يفوق إمكانات قطاعات واسعة من الشباب والأسر فيصبح القلق على المستقبل أمر طبيعى فحين يشعر الطلاب والعاملون أن التعليم والعمل والخدمات العامة لم تعد تمنحهم الأمان الذي اعتادوا ربطه بالنموذج الأوروبي وحين تتسع المسافة بين الوعود الحكومية وما يلمسه المواطن في حياته اليومية
يعتبر كل ذلك إنهيار تام للحياة لدى جموع الشعوب الأوروبية لكن الدولة الأكثر اضطراباً هى فرنسا فقد تحدثت تقارير عن مشاركة أكثر من مليون شخص في احتجاجات شهدتها مدن عديدة وتحولت بعض التجمعات إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة لاحتواء الغضب الشعبي
لكن النار التي تشتعل في الشوارع ليست وحدها موضع القلق فالأخطر من ذلك هو ما يحدث في النفوس عندما يشعر المواطن بأن الأعباء تتزايد وأن السياسات القائمة لا تقدم له إجابات مقنعة عند هذه النقطة يمكن لمطلب اقتصادي أن يتحول إلى أزمة ثقة شاملة في الحكومة والنظام السياسي لأن أى اضطراب واسع لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ولا عن الصراع المستمر حول الضرائب والأجور والمعاشات والخدمات العامة لكن الخطر لا يكمن في الاحتجاج ذاته فالاحتجاج السلمي حق أصيل في المجتمعات الديمقراطية لكن الخطر يبدأ عندما تفقد المؤسسات قدرتها على تحويل المطالب إلى حلول وعندما تتراجع الثقة إلى الحد الذي يجعل كل قرار حكومي سبباً جديداً للمواجهة وإذا امتدت الضغوط إلى دول أخرى فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً هل نحن أمام أزمات وطنية منفصلة أم أمام مشكلات مشتركة تتعلق بغلاء المعيشة وتفاوت الفرص وتراجع الثقة في النخب السياسية فى هذه الحالة لا يجوز افتراض أن جميع الاحتجاجات الأوروبية تتحرك للأسباب نفسها لكن تشابه بعض الضغوط يكشف أن الرخاء الاقتصادي وحده لا يكفي لضمان الاستقرار إذا لم يشعر المواطن بأن ثمار التنمية تصل إليه وبالتالى فإن أوروبا تواجه لحظة تاريخية فاصلة حيث لا يمكن الجزم بأن ما يحدث لم تشهده أوروبا منذ مئات السنين فالقارة عرفت عبر تاريخها ثورات وانتفاضات واضطرابات كبرى لكن ما يجري الآن يستحق المتابعة الجادة لأن تزامن الاحتجاجات واتساع أسبابها يكشفان عن ضغوط اجتماعية واقتصادية لا تقف عند حدود دولة واحدة فأوروبا لا تواجه اختباراً أمنياً فحسب بل اختباراً لقدرة أنظمتها السياسية والاقتصادية على استعادة ثقة مواطنيها فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو نفوذها الدولي وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المستوى المعيشي لمواطنيها وتوفير الفرص وتحقيق العدالة واحتواء الغضب قبل أن يتحول إلى انفجار فلكل دولة أوروبية ظروفها الخاصة ففي بعضها تبرز أزمة السكن وفي أخرى تتقدم الأجور والضرائب والمعاشات إلى واجهة النقاش بينما تفرض تحديات الصناعة والطاقة والهجرة والإنفاق العام نفسها على دول أخرى ومع ذلك ثمة قاسم مشترك يستحق الانتباه فالمواطن يريد أن يعرف إلى أين تتجه بلاده وما إذا كانت السياسات الحكومية قادرة على حماية مستوى معيشته وهل ما زال المستقبل يحمل لأبنائه فرصاً أفضل من تلك التي أتيحت للأجيال السابقة

 

اترك رد