الإعلامى خالد مصطفى يكتب : النائب ليس سيداً على من إنتخبوه
الدولة التي تحترم نفسها تُقاس بقدرة مواطنيها على التعبير عن آرائهم دون خوف وبمدى خضوع أصحاب النفوذ للمساءلة قبل غيرهم فحرية الرأي ليست منحة من أحد بل هي حق أصيل ما دام التعبير يتم في إطار القانون ودون اعتداء على حقوق الآخرين ليست المأساة أن يختلف المواطن مع نائب انتخبه فذلك هو جوهر الحياة السياسية وإنما المأساة الحقيقية أن يخشى المواطن أن يدفع ثمن هذا الاختلاف من حريته أو كرامته أو أمنه ما يثير القلق أن يشعر بعض المواطنين بأن مجرد انتقاد نائب يمثل دائرتهم قد يترتب عليه التعرض لضغوط أو إجراءات تعسفية وإذا كانت هناك بالفعل وقائع يُدعى فيها استغلال النفوذ أو العلاقات للتأثير على سير العدالة أو التضييق على مواطن بسبب رأيه فإن مثل هذه الادعاءات تستحق تحقيقاً شفافاً ومستقلاً يطمئن الجميع إلى أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء ففي الدول التي تحترم شعوبها يُنظر إلى النقد على أنه حق وإلى المعارضة على أنها ضرورة وإلى المساءلة على أنها أساس الحكم الرشيد أما حين يتحول النقد إلى مخاطرة والكلمة إلى تهمة والرأي إلى عبء يخشاه صاحبه فهناك سؤال كبير يفرض نفسه أين تقف حدود السلطة وأين تبدأ حقوق المواطن لقد وُجد النائب ليكون صوت الناس تحت قبة البرلمان لا ليكون مصدر خوف لهم فالنائب يستمد شرعيته من أصوات المواطنين ومن ثم فإن النقد الموجه إليه متى كان في حدود القانون وينبغي أن يُقابل بالحجة والشفافية لا بالغضب أو استخدام أدوات السلطة فالمناصب زائلة أما احترام القانون والحقوق فهو الذي يبني الثقة بين المواطن والدولة فالنائب ليس سيداً على الناس بل خادماً لهم لم تمنحه صناديق الاقتراع سلطة على المواطنين وإنما منحته مسؤولية أمامهم فهو يستمد مكانته من أصواتهم ويستمر بثقتهم ويُحاسب على أدائه لذلك فإن أول واجباته أن يتقبل النقد وأن يرد على خصومه بالحجة لا بالنفوذ وبالإنجاز لا بالغضب إن قوة أي مسؤول
لا تظهر في قدرته على إسكات معارضيه وإنما في قدرته على تقبل النقد والاستماع إلى الناس والرد عليهم بالأفعال والإنجازات فالمواطن الذي ينتقد أداء نائب أو مسؤول لا يعني بالضرورة أنه عدو للدولة بل قد يكون حريصاً على إصلاح الخلل وتحسين الأداء وهذا حق تكفله المبادئ الدستورية وسيادة القانون لإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس أن يخطئ مسؤول فالخطأ وارد وإنما أن يعتقد بعض أصحاب المناصب أن المنصب يمنح حصانة من النقد أو وسيلة للانتقام ممن يختلف معهم فالدولة لا تُبنى بالخوف وإنما تُبنى بالعدل ولا تستقر بالهيبة المصطنعة وإنما بثقة المواطنين في أن القانون يحمي الجميع وعندما يشعر المواطن بأن العدالة لا تفرق بين صاحب النفوذ والمواطن البسيط يزداد انتماؤه لوطنه وثقته في مؤسساته أما إذا انتشر الانطباع بأن النفوذ قد يُستخدم للتأثير في الحقوق أو الإجراءات فإن ذلك يضر بصورة الدولة قبل أن يضر بالأفراد ويستوجب التعامل معه بكل جدية من خلال التحقيق والمحاسبة متى ثبت وقوع أي تجاوز وإذا ظهرت ادعاءات بأن مواطناً تعرض لإجراءات تعسفية أو إساءة بسبب رأيه فإن الواجب ليس إطلاق الأحكام المسبقة بل المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف يكشف الحقيقة كاملة فكرامة الإنسان لا يجوز أن تكون محل مساومة والعدالة لا تعرف صاحب نفوذ
ولا مواطناً بسيطاً بل تعرف حقاً يجب أن يُصان وأقول من واقع تجربة شخصية إن ما مررت به في قسم شرطة بلبيس ترك أثراً بالغاً في نفسي وكان بالنسبة لي أشد قسوة مما سمعت عن وقائع أخرى ولا أطرح هذه التجربة لإدانة أحد مسبقاً وإنما لأؤكد أن كل مواطن يرى أنه تعرض لظلم يستحق أن تُسمع شكواه وأن تُفحص ادعاءاته وفق القانون بعيداً عن المجاملة أو النفوذ لقد تعلمت الشعوب أن السلطة التي تضيق بالنقد تضعف أمام الحقيقة وأن المسؤول الذي ينشغل بملاحقة منتقديه يفقد الوقت الذي كان الأولى أن يكرسه لخدمة الناس فالمنصب تكليف لا تشريف والمسؤولية عهد لا امتياز وأقول ذلك لأنني أعرف معنى أن يشعر الإنسان بأن صوته لا يُسمع وأن شكواه قد لا تجد من ينصفها كل أتمناه ليس إدانة أحد دون دليل، وإنما أن يجد كل صاحب شكوى باباً مفتوحاً للإنصاف وأن تُفحص كل الادعاءات بجدية ونزاهة إن الوطن لا يقوى بإسكات الأصوات وإنما يقوى باحترام الحقوق وصون الكرامة الإنسانية وتطبيق القانون على الجميع بلا تمييز فالدولة العادلة لا تخشى النقد،ك بل تعتبره وسيلة للإصلاح والنائب الحقيقي لا يخشى صوت ناخبيه لأنه يدرك أن من منحه الثقة يملك أيضاً حق مساءلته إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد من يصمتون بل بعدد من يتكلمون دون خوف ولا تُقاس هيبة المؤسسات بقدرتها على العقاب بل بقدرتها على تحقيق العدل فحين يطمئن المواطن إلى أن كلمته لن تُكلفه حريته وأن القانون سيحميه مهما كان خصمه عندها فقط تصبح المواطنة حقيقة
لا مجرد كلمة في نصوص الدستور فالعدل هو أساس الملك وسيادة القانون هي الضمانة الوحيدة التي تحمي الجميع مواطنين ومسؤولين على حد سواء وسيبقى السؤال مطروحاً أمام كل صاحب مسؤولية هل تريد مواطناً يصفق خوفاً أم مواطناً ينتقد حباً لوطنه فالأول يصنع الوهم أما الثاني فيصنع المستقبل