القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامى خالد مصطفى يكتب : الست الناظرة

أحياناً يكفي مشهد واحد لكي يسقط كثير من الأقنعة وتكفي كلمة صادقة من إنسان بسيط لكي تعيد ترتيب المشهد كله وهذا تحديداً ما حدث في واقعة الناظرة التي ظهرت خلال جولة محافظ القليوبية على إحدى المدارس جولة كان يفترض أن تكون مناسبة للوقوف على أحوال العملية التعليمية فإذا بالمشهد يتحول إلى لحظة كاشفة خرجت فيها الحقيقة من خلف الأبواب المغلقة لتقف أمام الجميع الناظرة لم تكن تحمل ميكروفوناً ولم يكن خلفها فريق إعلامي مثلما كان مع المحافظ ولم تدخل المشهد بحثاً عن شهرة أو بطولة لكنها امتلكت
ما هو أقوى من كل ذلك امتلكت الشجاعة فى أن تقول ما تعتقد أنه الحقيقة فبدلاً من أن تكون الجولة رسالة قوة من المسؤول إلى العاملين في المدرسة أصبحت رسالة من موظفة بسيطة إلى كل مسؤول هناك أناس يعملون في صمت ويدفعون من جيوبهم ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه ثم يجدون أنفسهم في النهاية أمام اللوم والتوبيخ فالمشكلة ليست في أن يزور المحافظ مدرسة ولا في أن يكتشف أوجه القصور بل في كيف يتعامل المسؤول مع الإنسان الذي يعمل تحت ضغط الظروف ويحاول أداء واجبه ولكن عندما كشفت الست الناظرة أنها تنفق من مالها الخاص على المدرسة تغيرت دلالة المشهد بالكامل هنا لم تعد القضية مجرد خلاف عابر بين مسؤول وموظفة وإنما أصبحت سؤالاً أكبر بكثير هل نكافئ من يتحملون أعباء المؤسسات من جيوبهم أم نلومهم لأن الواقع الذي يعملون فيه لم يكن مثالياً فالمسؤول الناجح لا يبحث عن مشهد ينتصر فيه أمام الكاميرات وإنما يبحث عن الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة ويعرف أن هيبة الدولة لا تُبنى بالصوت المرتفع وإنما بالعدل والإنصاف واحترام المواطن والموظف والأخطر من الواقعة نفسها هو أن يتحول الإعلام المصاحب للجولات إلى وسيلة لصناعة صورة مثالية للمسؤول
بينما تظل التفاصيل الحقيقية التي يعيشها المواطنون والعاملون في المؤسسات بعيداً عن الكاميرات فالمسؤول عندما يدخل مدرسة لا ينبغي أن يدخلها بعقلية الباحث عن المخطئ فقط وإنما بعقلية من يبحث عن أسباب المشكلة فالمدرسة ليست جدراناً وسبورات ومكاتب المدرسة معلم يحاول أن يؤدي رسالته وناظر يحاول إدارة إمكانات محدودة وعاملون يتحملون ضغوطاً يومية وطلاب لهم حق أصيل في بيئة تعليمية محترمة ومن هنا فإن هيبة المسؤول لا تزداد عندما يعلو صوته على موظف أمام الكاميرات وإنما تزداد عندما يستطيع أن يسمع الموظف ويفهم شكواه ويعالج الخلل من جذوره فالقوة الحقيقية ليست في توبيخ من يقف أمامك ياسيادة المحافظ القوة هى أن تمتلك الشجاعة لتسأل لماذا وصلنا إلى هذه الحالة أصلاً لقد أعادت الست الناظرة تعريف معنى الشجاعة في لحظة واحدة لم تكن تملك منصباً كبيراً ولا فريقاً إعلامياً
ولا سلطة إدارية لكنها كانت تملك شيئاً أقوى وهو الواقع المرير للمدرسة ولا أظن أن الرسالة التي خرج بها كثير من المصريين من هذا المشهد كانت مجرد تعاطف مع الناظرة وإنما كانت رسالة أعمق فالمواطن يريد مسؤولاً يسمع له قبل أن يحكم عليه ويتحقق قبل أن يعاقبه
أما فى حال ثبوت أن هذه السيدة كانت تنفق من مالها الخاص لتوفير احتياجات المدرسة فهذه ليست نقطة تُستخدم ضدها وإنما سؤال يجب أن يذهب إلى المسؤولين ربما كانت تلك السيدة دون أن تقصد فقد وجهت رسالة بالغة القوة إلى كل أصحاب المناصب
لا تخافوا من المواطن الذي يقول الحقيقة خافوا من اليوم الذي يصبح فيه المسؤول محاطاً بالكاميرات لكنه لا يرى ما يحدث أمام عينيه ومصر لا تحتاج مسؤولين يخافون من الحقيقة بل تحتاج مسؤولين يبحثون عنها
ولا تحتاج مدارسنا إلى جولات أمام الكاميرات بقدر ما تحتاج إلى مدارس محترمة ومعلمين ونظار يشعرون أن الدولة تقف إلى جوارهم وطلاب يحصلون على حقهم
في تعليم يليق بهم فالجولة الحقيقية ليست التي تنتهي بانتهاء التصوير الجولة الحقيقية هي التي يبدأ بعدها الإصلاح ويجب ألا تنتهي هذه الواقعة بانتهاء الجولة بل يجب أن تكون جرس إنذار لأن كرامة الموظف ليست تفصيلاً صغيراً وأن العمل العام ليس مسرحاً للمنظرة وأن الكاميرا لا ينبغي أن تكون أهم من الحقيقة فإذا كانت الناظرة قد استطاعت في دقائق معدودة أن تكشف للمسؤول ما لم تستطع التقارير أن تنقله إليه فالسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هو كم من حقيقة أخرى تنتظر فقط أن يتوقف المسؤول عن الاستماع إلى صدى الميكروفونات ويبدأ في الاستماع إلى الناس

اترك رد