الإعلامي فهمي الدراوي يكتب : « الثانوية العامة » امتحان في العلم أم امتحان في الاحتمال؟
في كل عام نسمع العبارة نفسها: (الامتحان يقيس الفهم وليس الحفظ) عبارة جميلة، و الجميع يتمناها. لكن الحقيقة المؤلمة أن الفهم لا يُولد داخل لجنة الامتحان، وإنما يُصنع داخل مدرسة حقيقية، ومعلم مؤهل، وفصل لا يضم عشرات الطلاب، ومنهج يُدرَّس كما ينبغي أن يُدرَّس
فإذا_كانت_الدولة تريد طالبًا يفكر، فأين المدرسة التي يتعلم فيها الطالب التفكير؟
فكم طالبًا في الصف الثالث الثانوي كان يذهب إلى المدرسة بانتظام؟ وكم مدرسة كانت قادرة أصلًا على استيعاب جميع طلابها؟ الحقيقة التي يعرفها الجميع أن آلاف الطلاب وجدوا أنفسهم منذ سنوات خارج أسوار المدرسة، ليس لأنهم لا يريدون التعلم، ولكن لأن المنظومة نفسها دفعتهم إلى الدروس الخصوصية، حتى أصبحت الدروس الخصوصية هي المدرسة الحقيقية، بينما تحولت المدرسة الرسمية إلى مجرد اسم في الأوراق.
ثم_يأتي_الامتحان، فيجد الطالب نفسه أمام أسئلة تحتاج إلى وقت أطول، وتركيز أكبر، وأعصاب من حديد. لا أتحدث عن امتحان يميز بين المجتهد وغيره، فهذا أمر طبيعي، وإنما عن امتحان يخرج منه أوائل الطلاب وهم غير واثقين مما كتبوه.
هنا يجب أن نتوقف ونقول : هل المشكلة في الطلاب جميعًا، أم أن هناك شيئًا يحتاج إلى مراجعة؟
نحن لا نطالب بامتحانات سهلة، ولا أحد يريد نجاحًا دون استحقاق. لكن العدال يقتضي أن يكون الامتحان متناسبًا مع ما تلقاه الطالب طوال العام. فلا يجوز أن نطالبه بمهارات لم نوفر له أدوات اكتسابها.
فلماذا كل هذه الصعوبة؟ ولماذا يشعر الناس أن الوصول إلى الكليات الحكومية أصبح أكثر تعقيدًا عامًا بعد آخر؟ وهل من حق المجتمع أن يتساءل ما إذا كان ذلك سيدفع أعدادًا أكبر إلى الجامعات الأهلية والخاصة وهذه أسئلة يرددها الشارع، ومن حق المواطنين أن يجدوا إجابات واضحة، لأن الغموض دائمًا يفتح باب الشائعات.
#أما_ما_يحدث_داخل_لجان_الامتحانات_فهو_قصة_أخرى. لا أحد يعترض على مكافحة الغش، فهذا واجب،
لكن_هل_يتحقق_الانضباط_بإرهاب_الطالب؟
فنجد تفتيش عند بوابة المدرسة، ثم تفتيش آخر قبل اللجنة، ثم تفتيش داخل اللجنة أكثر من مرة، مع دخول وخروج الملاحظين والمراقبين بصورة متكررة. الطالب لا يدخل قاعة امتحان، بل يدخل وهو يشعر أنه يمر بسلسلة من الإجراءات التي تستنزف هدوءه قبل أن يمسك القلم.
فأي تركيز يمكن أن يبقى لدى شاب يحمل فوق كتفيه مستقبل أسرة كاملة؟
و_من_المؤسف_أننا_أصبحنا نسمع كل عام عن طالب سقط مغشيًا عليه، وآخر أصيب بانهيار عصبي، وبنت ماتت داخل اللجنة بالسكتة القلبية واخرى القت بنفيها من الدور السادس وأسر تبكي أبناءها بعد مآسٍ مؤلمة. هذه الوقائع لا ينبغي أن تمر وكأنها أخبار عادية، لأنها تكشف حجم الضغط النفسي الذي وصل إليه أبناؤنا.
ثم_ماذا_بعد_الثانوية؟
هل ينتظر الشاب مستقبلًا واضحًا؟ هل يجد وظيفة تحفظ كرامته؟ هل يستطيع أن يبني بيتًا ويكوّن أسرة؟ أم يصطدم بواقع يجعل سنوات التعب كلها مجرد محطة جديدة في رحلة البحث عن فرصة؟
الشباب هم ثروة هذا الوطن، وليسوا عبئًا عليه. وإذا فقد الشاب الأمل، خسر المجتمع كله.
نحن_نطالب بالتطوير و نطالب بقياس الفهم، و نتمسك بهما.
لكن_التطوير_الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي، لا من ورقة الامتحان، ويبدأ من المعلم، لا من صعوبة السؤال، ويبدأ من توفير تعليم عادل، لا من تحميل الطالب وحده مسؤولية فشل منظومة بأكملها.
فالطلاب يبحثون فقط عن فرصة عادلة.
ومصر في حاجه إلى جيل لا يخاف من التعليم… بل إلى جيل يؤمن أن العلم هو الطريق الحقيقي إلى المستقبل.
ارحموا أبناءنا… فهم مشروع مستقبل وطن.