القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

هشام زكريا يكتب : الإسماعيلي من قهوة أبو صباع مرورا “بالأيدي الناعمة” بين الحلول المسكّنة والحل الجذري

دخل رجل مكانًا فخمًا على النيل، وطلب كوب شاي، فأخبره الجرسون بأن سعره مئتا جنيه. اعترض الرجل قائلًا إنه يشرب الشاي عند “قهوة أبو صباع» بخمسة جنيهات، فجاءه الرد: «ابقَ عند قهوة أبو صباع، وحين يصبح معك ثمن الجلوس هنا، تعالَ!”».

وهو مشهد يقترب من أجواء فيلم “الأيادي الناعمة”، حين فقد الأمير شوكت، الذي جسّد شخصيته أحمد مظهر، ثروته، وأصبح مدينًا يطارده الدائنون، حتى اضطر إلى بيع أوسمته لبائع البسبوسة، قطعةً قطعة.

الواقع أحيانًا يفرض علينا حسابات لم نتعود عليها، ويضعنا أمام حقائق قد لا نحب الاعتراف بها، لكنها تظل حقائق لا يمكن تجاهلها.

وهذا هو حال النادي الإسماعيلي اليوم.

الحقيقة قاسية، وما زلنا نحاول استيعابها. ويمكن أن نستمر طويلًا في الحديث عن الأسباب ومن المسؤول، وهذا حق مشروع، لكن وضع النادي الحالي لن يتغير بالنقاش وحده.

الجرّاح الماهر لا يكتفي بالحديث عن المرض، ولا يظل يدور حول المريض، بل يواجهه بالتشخيص ويحدد له العلاج. أما المسكنات، فقد تخفف الألم مؤقتًا، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.

الإسماعيلي يحتاج إلى تشخيص صريح، وقرارات واضحة، وخطة علاج قابلة للتنفيذ.

أولًا: أين نقف الآن؟

• فتح القيد يتطلب استكمال المبالغ المالية المطلوبة، إلى جانب توفير احتياجات التعاقد مع اللاعبين.
• الموسم يسير، والوقت لا يسمح بانتظار حل قد يأتي من الخارج، أو التعويل على وعود لم تتحول إلى خطوات عملية.
• مؤتمرات الدعم وحملات التبرع مستمرة ، ونحتاج المزيد من حجم المشاركة الشعبية الذي يكفي لمواجهة الالتزامات.

هذه هي الصورة التي ينبغي أن ننطلق منها، بعيدًا عن الأمنيات والشعارات.

ثانيًا: ما الذي يعطّل الحل؟

1- الاختلاف حول فكرة التبرع

رأى البعض أن اللجوء إلى حملات الدعم والتبرعات لا يليق بنادٍ كبير بحجم الإسماعيلي. وهذا رأي يستحق الاحترام، لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة هو: ما البديل العملي الجاهز الذي يوفر الموارد المطلوبة خلال الوقت المتاح؟

رفض الفكرة حق مشروع، لكن الأهم أن يكون لدينا بديل قادر على حل المشكلة، لا مجرد اعتراض عليها.

2- التخوف من وجود مقابل للتبرعات

ترددت تساؤلات حول احتمال حصول بعض المتبرعين على مصالح أو امتيازات مقابل ما يقدمونه للنادي.
وفي هذا السياق، أكد اللواء نبيل حسب الله، محافظ الإسماعيلية، في أكثر من تصريح، من بينها تصريح نُشر على الصفحة الشخصية للكاتب، أن أحدًا لن يحصل على مقابل، وأن الهدف هو دعم كيان يخص الإسماعيلية كلها.

ومع ذلك، فإن أفضل وسيلة لتبديد الشكوك هي الشفافية الكاملة: إعلان التبرعات والمصروفات بوضوح، وإتاحة المعلومات أمام الجميع. وهذا ما يجري العمل عليه حاليًا من خلال لجنة برئاسة السيدة فيبي فوزي، وكيلة مجلس الشيوخ السابقة.

الثقة لا تُطلب بالكلام وحده، بل تُبنى بالمعلومات الواضحة والإجراءات المعلنة.

3- الشعارات في البرامج الانتخابية

عندما فُتح باب الترشح للجمعية العمومية، تقدم عدد من الزملاء والأصدقاء لخوض الانتخابات، لكن معظم البرامج دارت حول حب الناس، ووقفة الجماهير، وعشق النادي.
كل هذه المشاعر مهمة وصادقة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف تتحول هذه المحبة إلى موارد وخطط وقرارات تنقذ النادي؟

حب الإسماعيلي لا خلاف عليه، لكن النادي يحتاج إلى ما هو أكثر من إعلان الحب.

ثالثًا: ما الذي يمكن فعله الآن؟

أولًا: على مستوى المجتمع الإسماعيلاوي

نحتاج إلى مشاركة واسعة ومنظمة تشمل المحافظة كلها: أفرادًا، وشركات، ورجال أعمال، ومحبين، ومؤسسات وشبابًا، من أجل توفير المبالغ المطلوبة.

وليس المطلوب أن يقدم الجميع مبالغ ضخمة، بل أن تتسع دائرة المشاركة، وأن يكون هناك تنظيم واضح يضمن الاستمرارية والشفافية.

وهنا يبرز السؤال: أين المبادرات الفردية والحملات الشعبية؟ وأين أولئك الذين يؤكدون أنهم مستعدون لبذل كل غالٍ ونفيس من أجل الإسماعيلي؟

هذه لحظة اختبار حقيقية، تتحول فيها الكلمات إلى أفعال، والمشاعر إلى مواقف.

ثانيًا: على مستوى الإدارة والمرشحين والجمعية العمومية

1- نريد برامج عمل، لا برامج حب فقط.

أقترح أن يطلق كل مرشح مبادرة عملية لدعم النادي، تتناسب مع قدرته وإمكاناته وحجم تأثيره، بدلًا من الاكتفاء بزيارة العائلات والمقاهي وعقد اللقاءات الانتخابية.

لماذا لا يتبنى المرشح القادر حملة دعم تستهدف إدخال مبلغ واضح إلى خزينة النادي، قد يصل إلى ملايين الجنيهات أو أكثر، وفقًا لإمكاناته وقدرته على جمع المساهمات؟

حينها، يصبح أمام الجمعية العمومية معيار عملي إضافي للتقييم: ماذا قدم المرشح بالفعل؟ وما خطته للمستقبل؟

فالانتخابات ليست منافسة في إعلان الحب، وإنما مسؤولية تتطلب القدرة على الإدارة، وتوفير الموارد، واتخاذ القرارات الصعبة.

2- فتح الباب أمام الاستثمار في شركة الكرة

من الضروري إعادة دراسة النسبة المعلنة للاستثمار في شركة الكرة، والتي أشير إليها باعتبارها لا تتجاوز 50%، وفقًا لما ورد في الإعلان عن محضر الجمعية العمومية.

فزيادة النسبة المتاحة للمستثمر، إذا سمحت الأطر القانونية والقرارات المعتمدة بذلك، قد تمنح المستثمر حافزًا أكبر لضخ الأموال، مع الحفاظ على أصول النادي واسمه وهويته وحقوقه.

المهم أن نبحث عن صيغة استثمارية جاذبة، تحقق التوازن بين توفير التمويل اللازم وحماية مستقبل الإسماعيلي.

ثالثًا: على مستوى الجماهير ومواقع التواصل الاجتماعي

1- لنتحد من أجل النادي، حتى لو اختلفنا في الرأي.

الاختلاف طبيعي، والنقد حق أصيل، لكن علينا أن نفرق بين النقد الذي يصحح المسار، والهجوم الذي يهدم كل محاولة، والتقليل من أي شخص يقدم شيئًا للنادي.

لسنا مطالبين بالتصفيق للجميع، لكننا مطالبون بالإنصاف، وبأن نمنح كل مبادرة فرصة للتقييم الموضوعي.

2- كفى شكوى وحروبًا تستنزف ما تبقى لدينا.

الصراعات المستمرة والتراشق على مواقع التواصل لا تحل أزمة، بل قد تصنع صورة ذهنية سلبية عن النادي وبيئته المحيطة.

تخيل أن مستثمرًا يفكر في دخول الإسماعيلي، ثم يطّلع على حجم الخلافات والهجوم المتبادل والاتهامات المتداولة. ألن يتردد في اتخاذ قراره؟

نحن بحاجة إلى خطاب نقدي مسؤول، يكشف الأخطاء، ويطالب بالمحاسبة، لكنه لا يغلق الأبواب أمام من يريد المساعدة أو الاستثمار.

أخيرًا.. هل نريد إنقاذ الإسماعيلي فعلًا؟

الإسماعيلي لن يخرج من أزمته بالمسكنات، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بالشعارات وحدها.

نحتاج إلى الاعتراف بحجم المشكلة، وإلى خطة واضحة، ومشاركة مجتمعية منظمة، وشفافية تعيد الثقة، وإدارة تعرف كيف تحول الموارد المتاحة إلى حلول حقيقية.

لننتقل من سؤال: “مَن المسؤول؟» إلى سؤال لا يقل أهمية: «ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟”.

فكل شخص يستطيع أن يبدأ من موقعه، وبقدر استطاعته، وكل مبادرة جادة تستحق أن تُقيّم بموضوعية.

الإسماعيلي ليس مسؤولية مجلس إدارة وحده، ولا جماهيره وحدها، بل مسؤولية كل من يعتبر هذا النادي جزءًا من تاريخ الإسماعيلية وهويتها.

اترك رد