خالد مصطفى يكتب: أوجه الشبه بين الجلابية البلدي وساعة بيج بن
هناك أشياء تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن بعضها لكنها حين نتأملها بعين التاريخ والرمز نكتشف
أن بينها مساحة واسعة من المعاني فالجلابية البلدي المصرية وساعة بيج بن البريطانية الأولى ترتديها الأرض المصرية والثانية تعانق سماء لندن وبينهما حكايات عن الهوية والأصالة والتاريخ ومكانة الدول في ذاكرة العالم فهل يمكن أن تجمع الجلابية البلدي المصرية وساعة بيغ بن البريطانية حكاية واحدة رغم
أن الأولى تنسجها خيوط القطن والثانية تقيسها دقات الزمن قد يبدو السؤال غريباً لكن خلف هذه المقارنة فكرة تستحق التأمل كيف تتحول الأشياء البسيطة إلى رموز تختصر تاريخ الشعوب وكيف تستطيع قطعة من ثياب المصريين وبرج في قلب لندن أن يحملا معاني الهوية والكبرياء والانتماء
الجلابية البلدي ..
ليست مجرد ثوب يرتديه المصري بل هي حكاية وطن تسكن تفاصيله البسيطة تحمل بين خيوطها ملامح الريف المصري ودفء البيوت القديمة وكرامة الفلاح الذي شق الأرض بيديه وصنع من عرقه حضارة أطعم خيرها العالم إنها ثوب لا يحتاج إلى قصور كي يمنح صاحبه هيبة ولا إلى مظاهر البذخ كي يعلن عن أصالته فبعض العظمة تسكن البساطة وبعض الفخر لا يحتاج إلى كلمات
فالجلابية البلدي ليست مجرد ثوب يرتديه المصري وليست مجرد زي ارتبط بالريف والقرى والحقول إنها جزء من الذاكرة المصرية ومن صورة الإنسان الذي عاش على ضفاف النيل وصنع من الأرض حياة ومن الشقاء كرامة ومن البساطة أسلوباً في العيش لا يحتاج إلى تصنع كي يعلن
عن أصالته في ثنيات الجلابية حكايات أجيال
وفي خيوطها ملامح مجتمع يعرف قيمة العمل ويحترم الأرض ويعتز بجذوره إنها ثوب الفلاح الذي يزرع والعامل الذي يكافح والرجل الذي
لا يرى في البساطة انتقاصاً من قدره بل يرى في هويته مصدراً للفخر فالجلابية البلدي لا ترتديها مصر فحسب بل ترتدي معها شيئاً من ذاكرتها وروحها وتاريخ ناسها
أما ساعة بيج بن ..
التي أصبحت أحد أشهر رموز لندن وبريطانيا فهي ليست مجرد عقارب تتحرك فوق برج تاريخي بل هى علامة على ذاكرة وطنية ممتدة ارتبطت
في الوعي العالمي بتاريخ المملكة المتحدة ومؤسساتها السياسية وبمدينة أصبحت واحدة من عواصم القرار والمال والدبلوماسية في العالم
فبرج إليزابيث الذي تحتضن قمته الساعة الشهيرة شامخة في قلب لندن شاهدة على مراحل من التاريخ البريطاني وعلى تحولات مملكة استطاعت أن تبني لنفسها حضوراً مؤثراً في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية العالمية فدقات ساعة بيج بن ليست مجرد إعلان عن مرور الدقائق بل إنها صوت ارتبط في الذاكرة العامة بالعاصمة البريطانية ورمز أصبح جزءاً من صورتها أمام العالم وكما يستحضر المصري الجلابية البلدي بوصفها علامة على الأصالة والانتماء يستحضر كثيرون بيج بن باعتبارها إحدى العلامات التي تختصر ملامح لندن وتاريخ بريطانيا فهنا يلتقي الرمزان لا لأنهما متشابهان في الشكل أو الوظيفة بل لأن لكل منهما حكاية تاريخية فالجلابية تحفظ ذاكرة الإنسان المصري وبيج بن تجسد جانباً من ذاكرة المملكة البريطانية فالأولى تستمد قيمتها من الناس والأرض والتراث والثانية من التاريخ والمؤسسات والرمزية الوطنية ولا يعني ذلك أن الثوب يساوي برجاً في الوظيفة أو الدلالة بل إن كليهما يستطيع أن يروي قصة هوية لا تختصرها المظاهر لكن المعنى الأعمق يبدأ عندما ننتقل من الرموز إلى الدول فمصر ليست مجرد دولة تقع في قلب الشرق الأوسط إنها دولة تلتقي عندها الجغرافيا بالتاريخ وتتشابك حولها مصالح أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس وثقلها السكاني ودورها السياسي وعلاقاتها الإقليمية فكلها عوامل تمنحها قدرة مهمة على التأثير في معادلات الأمن والاستقرار بالمنطقة ولهذا يمكن وصف مصر بأنها رمانة الميزان في الشرق الأوسط وبريطانيا دولة ذات تاريخ دولي طويل ومؤسسات راسخة وثقل دبلوماسي وعسكري واقتصادي ومقعد دائم في مجلس الأمن إلى جانب دورها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها الدولية لكن الحكاية لا تتوقف عند الثوب والساعة إنها تفتح الباب أمام مقارنة أوسع بين مصر وبريطانيا بين دولة ضاربة بجذورها في أعماق الحضارة الإنسانية ودولة صنعت لنفسها حضوراً عالمياً عبر قرون من التحولات والصراعات وبناء المؤسسات
فمصر ليست مجرد نقطة على خريطة الشرق الأوسط وليست مجرد دولة تحيط بها التحديات من كل اتجاه إنها القلب الذى تتقاطع عنده مصالح العالم ومن هنا تأتي أهمية مصر
فاستقرارها ليس شأناً داخلياً فقط بل يرتبط بأمن المنطقة وحركة التجارة وأمن البحر الأحمر والتوازنات العربية ومستقبل التسويات السياسية في عدد من أزمات الإقليم فمصر ضرورة للاستقرار في الشرق الأوسط وبريطانيا طرف مؤثر في معادلات دولية أوسع وبينهما مساحة يمكن أن تصنع فيها المصالح المشتركة فرصاً للتعاون وهنا تظهر مساحة التشابه بين القاهرة ولندن دولتان تختلفان في الجغرافيا والتجربة التاريخية وطبيعة القوة لكن لكل منهما أدوات تأثير تتجاوز حدودها المباشرة فيمكن لهذا التقارب أن يخدم الأمن الإقليمي وحماية الملاحة ومواجهة الإرهاب ودعم الحلول السياسية للأزمات فالشبه بين الجلابية البلدي وبيج بن هو أن الماضي وحده يصنع المجد وأن الأمم التي تعرف قيمة رموزها وتفهم تاريخها تستطيع أن تبني مستقبلها بثقة فليس مطلوباً من مصر أن تتخلى عن بساطتها كي تبدو عظيمة ولا أن تستعير هوية غيرها كي تحظى بالاحترام كما أن بريطانيا
لا تستمد مكانتها من ساعة تاريخية وحدها وإنما من مجموع مؤسساتها وقدراتها وعلاقاتها
فالمشكلة أن بعض الأمم تظن أن التقدم يعني التخلي عن الموروث وأن الحداثة تقتضي إخفاء ملامح الماضي لكن الحقيقة أن الأمم الواثقة
لا تهرب من هويتها ولا تتعامل مع تراثها باعتباره عبئاً بل تحوله إلى مصدر قوة وإبداع وحضور
ليس مطلوباً من المصري أن يخلع جلابيته كي يثبت أنه ينتمي إلى العصر الحديث وليس مطلوباً من بريطانيا أن تتخلى عن معالمها التاريخية كي تثبت قدرتها على مواكبة المستقبل المهم أن تعرف كل دولة كيف تصالح بين جذورها وطموحاتها وكيف تجعل من تاريخها نقطة انطلاق لا محطة توقف فمن حق المصري أن يفخر بجلابيته البلدي كما يحق للبريطاني أن يعتز بتراث بلاده لكن الفخر الحقيقي لا يكون بالتعالي على الآخرين بل بمعرفة قيمة الذات واحترام قيمة الآخر فالعالم لا يحتاج إلى دول تتنافس على استعراض أمجادها بقدر ما يحتاج إلى دول تعرف كيف تحول أمجادها إلى مسؤولية تجاه المستقبل
فالجلابية البلدي رمز لأصالة مصر وبيج بن رمز بارز من رموز بريطانيا وبينهما تلتقي فكرتان الاعتزاز بالهوية واحترام التاريخ لكن قيمة الدول الحقيقية لا تُقاس بما ترتديه شعوبها أو بما تعلوه أبراجها بل بما تقدمه للعالم من استقرار ومعرفة وقوة عادلة وقدرة على صناعة المستقبل
فقد تجمع الجلابية البلدي وبيج بن علاقة رمزية أعمق مما يبدو للوهلة الأولى
فالأولى ..
تذكرنا بأن العظمة قد تسكن أبسط الأشياء وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بما يرتديه بل بما يحمله من قيم
والثانية ..
تذكرنا بأن الزمن يمضي وأن الدول التي تريد الاحتفاظ بمكانتها لا بد أن تجدد مؤسساتها وتطور قدراتها وتتعلم من تاريخها فالجلابية البلدي تمنحنا صورة عن أصالة الإنسان المصري
وبيج بن تمنحنا صورة عن أحد رموز التاريخ البريطاني وبينهما درس تتجاوز دلالته حدود مصر وبريطانيا فالأمم العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحده لكنها لا تتقدم أيضاً إذا أنكرت جذورها فمصر لا تحتاج إلى أن تشبه بريطانيا
كي تكون عظيمة وبريطانيا لا تحتاج إلى أن تشبه مصر كي تحتفظ بهويتها لكن لكل دولة طريقها وتجربتها ولكل شعب ذاكرته ورموزه فإذا كانت الجلابية البلدي تختصر حكاية الإنسان المصري في ثوب وكانت بيج بن تختصر جانباً من ذاكرة لندن في ساعة فإن ما يستحق أن يبقى في ذاكرة العالم هو ما تصنعه الشعوب والدول من إنجازات حقيقية فالجلابية خيوطها من تراب مصر وذاكرتها وبيج بن دقاتها من تاريخ بريطانيا وبين خيوط الهوية ودقات الزمن تبقى الحقيقة الكبرى فالأوطان لا تكبر بما تملكه من رموز فقط بل بما تمنحه لشعوبها من كرامة وللعالم من استقرار وللمستقبل من أمل