القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الاعلامى خالد مصطفى يكتب : حرب الرغيف تقترب

لم يعد الغذاء مجرد سلعة تخضع لقواعد العرض والطلب بل أصبح سلاحاً استراتيجياً في صراعات العالم وأحد أخطر الملفات التي تهدد استقرار الدول وأمن الشعوب فبين الحروب التي تعطل طرق التجارة والأزمات التي تضرب إنتاج الحبوب وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، يقف العالم أمام تحدى بالغ الخطورة فمن يملك الغذاء يملك ورقة ضغط على مستقبل الشعوب فلم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تنطلق ولا بحجم الدمار الذي تخلّفه بل أصبحت تُقاس أيضاً بقدرتها على تجويع الشعوب ورفع أسعار الغذاء وتهديد رغيف الخبز على موائد الملايين نحن فى عالم تتشابك فيه الحروب مع الاقتصاد والمناخ والطاقة فيتحول الغذاء من سلعة أساسية إلى ورقة ضغط استراتيجية ويصبح الأمن الغذائي خط الدفاع الأول عن استقرار الدول وسيادتها
ان ما يشهده العالم من اضطرابات في أسواق الغذاء ليس مجرد موجة غلاء عابرة بل جرس إنذار يكشف خطورة الاعتماد على الخارج في تأمين الاحتياجات الأساسية ويطرح سؤالاً مصيرياً
ماذا ستفعل الدول إذا تعطلت إمدادات القمح وارتفعت أسعار السكر وأصبحت الأسمدة عبئاً على المزارعين وتراجعت قدرة الأسواق العالمية على تلبية احتياجات الشعوب فمنذ عام 2022 دخلت أسواق الغذاء العالمية مرحلة من الاضطراب الحاد بعدما كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة منظومة الإمدادات الغذائية الدولية ومدى اعتماد دول كثيرة على مصادر محدودة للحبوب والأسمدة ومع استهداف موانئ ومنشآت تصدير الحبوب في منطقة البحر الأسود تصاعدت المخاوف من تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار لتدفع الدول المستوردة الثمن في صورة تضخم غذائي وضغوط متزايدة على المواطنين ومع استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب حركة التجارة وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي تتزايد المخاوف من أن تتحول أزمة الغذاء إلى واحدة من أخطر أزمات الاقتصاد العالمي خصوصاً إذا تزامنت مع موجات جفاف أو فيضانات أو تراجع في المحاصيل الرئيسية إن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع الأسعار وحده بل في احتمال اجتماع عدة أزمات في وقت واحد نقص الإمدادات وارتفاع تكلفة الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الطلب على الغذاء عندها لن تكون المشكلة مجرد غلاء يستطيع المواطن التكيف معه بل أزمة تمس قدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها الأساسية وتزداد خطورة المشهد مع التقلبات الحادة في أسواق القمح والسكر والأزمات التي تضرب إنتاج الأسمدة فضلا عن التغيرات المناخية التي تتسبب في موجات جفاف وفيضانات واضطراب مواسم الزراعة إنها أزمة متعددة الجبهات لا يمكن التعامل معها باعتبارها موجة ارتفاع أسعار عادية بل باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي والاقتصادي لدول العالم لقد أثبتت الأحداث أن موانئ الحبوب وخطوط الملاحة ليست مجرد مرافق تجارية بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وعندما تتعرض هذه الشرايين للاضطراب تنتقل آثار الصراع من ساحات القتال إلى الأسواق والمخابز والبيوت
ولا تتوقف التداعيات عند القمح فقط فأسواق السكر والزيوت والأعلاف والأسمدة ترتبط بدورها بمنظومة دولية شديدة التعقيد كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكاليف الزراعة والنقل والتصنيع بينما يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة
أو نقص توافرها إلى زيادة الأعباء على المزارعين وقد ينعكس ذلك لاحقاً على حجم الإنتاج نفسه وهنا تكمن خطورة الأزمة فالعالم لا يواجه تهديداً واحداً بل يواجه سلسلة من التهديدات التي يمكن أن يغذي بعضها بعضاً لتتحول الضغوط المؤقتة إلى أزمة ممتدة يصعب احتواؤها حتى الدول
العربية اصبحت الآن في قلب العاصفة
حيث تواجه تحدياً استثنائياً فعدد كبير منها يعتمد على استيراد القمح والحبوب لتلبية احتياجات السكان ما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطراب في الأسواق العالمية أو ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين والطاقة وكلما اشتعلت الحروب أو تعطلت طرق الملاحة ازدادت فاتورة الاستيراد وارتفعت الضغوط على الموازنات العامة وأصبحت حماية القدرة الشرائية للمواطنين أكثر صعوبة فالدول العربية تقف حاليا أمام اختبار بالغ الصعوبة لأن عدداً منها يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح والحبوب لتلبية احتياجاته وهذا الاعتماد يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات الشحن وتغير سياسات التصدير لدى الدول المنتجة فعندما ترتفع الأسعار الدولية لا تدفع الدول المستوردة ثمن السلعة وحدها بل تتحمل أيضاً تكاليف النقل والتأمين والتمويل فضلاً عن الضغوط التي تتعرض لها موازناتها العامة وإذا استمرت الأزمة يصبح الحفاظ على أسعار مناسبة للمواطنين تحدياً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً والأخطر من ذلك أن الغذاء يرتبط مباشرة باستقرار المجتمعات فكل زيادة كبيرة في تكلفة المعيشة تضغط على الأسر محدودة الدخل وتقلص قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الأخرى لذلك فإن حماية الأمن الغذائي ليست شأناً زراعياً فحسب بل جزء أصيل من حماية الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي وتكمن الخطورة الحقيقية في أن أزمة الغذاء لا تتوقف عند حدود الأسعار بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي ومستويات الفقر وقدرة الحكومات على توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة فالجوع ليس مجرد أزمة إنسانية بل قد يتحول إذا تفاقمت أسبابه إلى أزمة سياسية واجتماعية تهدد استقرار المجتمعات وبالنسبة إلى مصر فإن الأمن الغذائي يجب أن يظل في صدارة الأولويات الوطنية نظراً إلى حجم الاستهلاك المحلي من القمح واعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية جانب من احتياجاتها فمصر
لا تراقب حركة الأسعار العالمية وننتظر انفراج الأزمات بل تتحرك وفق رؤية طويلة المدى تجعل الدولة أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية
وتطلب ذلك إلى التوسع المدروس في زراعة القمح والمحاصيل الاستراتيجية وتحسين إنتاجية الفدان وتطوير نظم الري والحد من الفاقد

اترك رد