الاعلامى خالد مصطفى يكتب : أحمد عز وفن صناعة الأغلبية هل تحتاج الأحزاب المصرية إلى عقل تنظيمي يعيد رسم المشهد السياسي
بعد حديث السيد الرئيس عن خارطة طريق جديدة للحياة السياسية إعتباراً من 2030 فهل الأحزاب قادرة على مواكبة هذا الحدث إذاً
ليست الأحزاب السياسية القوية هي التي تحصد أكبر عدد من المقاعد فحسب بل هي التي تعرف كيف تحول هذه المقاعد إلى قوة سياسية منظمة وكيف تربط القيادة بالقواعد وتحول الانتشار الجغرافي إلى حضور جماهيري وتبني منظومة قادرة على الحركة والتأثير والاستمرار فهناك فارق كبير بين حزب يمتلك مقاعد في البرلمان وحزب يمتلك القدرة على إدارة هذه المقاعد وتحويلها إلى قوة سياسية حقيقية فالأول قد تصنعه الظروف الانتخابية أما الثاني فلا تصنعه المصادفة
بل تبنيه منظومة تنظيمية تعرف كيف تتحرك وكيف تتواصل مع الشارع وكيف تربط القيادة بالقواعد وكيف تحافظ على حضورها وتأثيرها طوال الوقت لا في مواسم الانتخابات فقط
ومن هنا يعود الحديث عن تجربة أحمد عز في التنظيم السياسي داخل الحزب الوطني المنحل
لا باعتبارها دعوة إلى استنساخ الماضي
ولا محاولة لتجميل تجربة سياسية انتهت بما لها وما عليها وإنما باعتبارها مناسبة لطرح سؤال مهم أين ذهب فن التنظيم الحزبي ولماذا أصبحت بعض الأحزاب تمتلك المقاعد لكنها لا تمتلك بالضرورة أدوات إدارة الأغلبية وبعيداً عن المواقف السياسية من أحمد عز لا يمكن تجاهل ارتباط اسمه بمرحلة شهدت اهتماماً واسعاً بإدارة الأغلبية البرلمانية وبناء الشبكات التنظيمية في المحافظات والدوائر وتنسيق العلاقة بين القيادة المركزية والكوادر المحلية وإدارة التحركات الانتخابية فكانت لديه خبرة في التعامل مع التنظيم باعتباره شبكة مترابطة لا مجرد مجموعة من الأسماء داخل حزب وهذه النقطة تحديداً تستحق الدراسة لأن العمل الحزبي لا ينجح بالشهرة وحدها ولا بكثرة الاجتماعات ولا بتوزيع المناصب وإنما يحتاج إلى عقل يعرف كيف يحول الهيكل التنظيمي إلى مؤسسة حية وكيف يجعل كل مستوى داخلها يؤدي دوره بوضوح وكفاءة
حيث كان أحمد عز في تجربته التنظيمية أحد أبرز الأسماء المرتبطة بهندسة الأغلبية البرلمانية داخل الحزب الوطني فقد ارتبط اسمه بإدارة شبكة تنظيمية امتدت عبر المحافظات والدوائر الانتخابية وبمحاولات الربط بين القيادات المركزية والوحدات الحزبية المحلية وتنسيق التحركات الانتخابية وإدارة العلاقات بين نواب الحزب وقياداته وهي جوانب تستحق الدراسة من منظور التنظيم السياسي بعيداً عن تقييم التجربة بأكملها أو تجاهل ما أُثير حولها من انتقادات
فالتنظيم السياسي ليس لافتة تُرفع ولا مقراً تُفتح أبوابه ولا اجتماعات تُعقد أمام الكاميرات ولا أسماء كبيرة تتصدر المشهد التنظيم الحزبى الحقيقي منظومة متكاملة تبدأ من معرفة الناس واحتياجاتهم وتمر باختيار الكوادر وتأهيلها وتنتهي بوجود قيادة تعرف كيف تدير الاختلاف وتوزع المسؤوليات وتحاسب المقصر وتربط القرار السياسي بالواقع في الشارع فالأغلبية لا تُدار بالعدد وحده بل بالعقل التنظيمي الذي يعرف كيف يحافظ عليها ويوظفها سياسياً لكن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين دراسة المهارات التنظيمية وبين تقييم التجربة السياسية الشاملة فالكفاءة في إدارة التنظيم لا تعني بالضرورة سلامة جميع الممارسات السياسية كما أن القدرة على حشد الأغلبية لا تكفي وحدها للحكم على جودة الحياة الحزبية أو قوة التمثيل الشعبي فالمطلوب ليس استعادة أحمد عز كما كان بل فهم ما الذي يجعل التنظيم السياسي قوياً ثم بناء نموذج حديث أكثر شفافية وديمقراطية واستجابة للمواطنين وهنا تكمن المشكلة التي تستحق أن تتوقف أمامها الأحزاب المصرية اليوم فبعض الكيانات قد تمتلك تمثيلاً برلمانياً واسعاً لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في بناء قواعد شعبية حقيقية أو إعداد كوادر سياسية مؤهلة أو صناعة وجوه قادرة على التواصل مع المواطنين والدفاع عن مواقف الحزب وقد يتحول النشاط الحزبي
في بعض الأحيان إلى مناسبات موسمية مرتبطة بالانتخابات بدلاً من أن يكون عملاً يومياً متصلاً بالناس ومشكلاتهم فالمشكلة التي تواجه العمل الحزبي ليست بالضرورة نقص المقاعد وإنما غياب المنظومة التي تمنح هذه المقاعد معناها السياسي فالحزب القوي هو الذي يعرف من يمثله في كل محافظة ومن يتواصل مع المواطنين في كل مركز وقرية ومن يتولى متابعة الملفات الجماهيرية ومن يكتشف الكوادر الشابة ومن يقيّم أداء النواب ومن ينقل مشكلات الشارع إلى القيادة ثم يتابع ما إذا كانت هذه المشكلات قد تحولت إلى حلول حقيقية أم ظلت حبيسة التقارير والوعود أما حين يصبح التنظيم مجرد أسماء على الورق والمقرات مجرد لافتات والاجتماعات مجرد صور فإن الحزب يفقد أهم عناصر قوته حتى لو امتلك حضوراً برلمانياً كبيراً
لأن إدارة الأغلبية ليست أن تعرف عدد نوابك فقط بل أن تعرف كيف يعملون وما الذي يحققونه وكيف يتواصلون مع دوائرهم وكيف يلتزمون ببرنامج الحزب وكيف يساهمون في صناعة السياسات والتشريعات وهنا يظهر الفارق بين حزب يحصد المقاعد وحزب يصنع التأثير
لإن الحزب الذي يريد الاستمرار في صدارة المشهد لا يستطيع أن يعتمد على قوة اللحظة
أو على أسماء المرشحين أو على عدد المقاعد بل يحتاج إلى خريطة تنظيمية واضحة ومسؤوليات محددة وقنوات اتصال فعالة بين القيادة والمحافظات والمراكز والقرى وآليات جادة لاكتشاف الكفاءات وتجديد الدماء والأهم من ذلك أن تكون له رؤية سياسية يفهمها أعضاؤه ويستطيعون شرحها للمواطنين والدفاع عنها بالحجة والعمل والإنجاز ومن هذه الزاوية فإن الحديث عن أحمد عز هو حديث عن أهمية التخصص في العمل السياسي فكما تحتاج الدولة إلى خبراء في الاقتصاد والإدارة والتخطيط تحتاج الأحزاب أيضاً إلى عقول تمتلك خبرة التنظيم وتفهم طبيعة الدوائر الانتخابية وآليات بناء الكوادر وإدارة الحملات وتنسيق العمل بين المستويات المختلفة
فما الذى تحتاجه الأحزاب اليوم ..؟؟
تحتاج إلى عقول تنظيمية تفهم طبيعة المجتمع المصري وتعرف أن السياسة عمل يومي وليست موسماً انتخابياً تحتاج إلى قيادة تستطيع بناء صف ثانى وثالث بدلاً من احتكار القرار داخل دائرة ضيقة تحتاج إلى مسؤولين حزبيين يملكون القدرة على التخطيط والتقييم والمحاسبة لا مجرد شغل المواقع والحصول على الألقاب
وتحتاج قبل كل شيء، إلى إعادة بناء العلاقة بين الحزب والمواطن على أساس الثقة والعمل الملموس فلا قيمة لتنظيم لا يسمع الناس ولا معنى لأغلبية لا يشعر المواطن بأن وجودها ينعكس على حياته ولا جدوى من انتشار جغرافي لا يتحول إلى مشاركة سياسية حقيقية إن الحزب الذي يريد الاستمرار في صدارة المشهد لا بد أن يمتلك قاعدة حقيقية، وبرنامجاً واضحاً وكوادر مؤهلة وآليات داخلية لاختيار القيادات ومحاسبتها وقنوات تواصل دائمة مع المواطنين كما يجب أن يكون الحزب قادراً على تقبل النقد وتصحيح الأخطاء وتجديد قياداته واحترام قواعد المنافسة السياسية فهذه هي الهندسة السياسية التي تحتاج إليها الأحزاب فى مصر هندسة تبني المؤسسات
لا تبنى الولاءات الشخصية وتصنع الكفاءات لا تصنع التابعين وتدير التنافس لا تحتكره وتكسب ثقة الناس لا تكتفي بحساب الأصوات فالاستفادة من التجارب السابقة لا تعني استدعاء أشخاص الماضي بكل ما ارتبط بهم ولا نقل أساليب انتهى زمنها فالتنظيم السياسي الذي تحتاج إليه مصر اليوم يجب أن يقوم على المشاركة الحقيقية والشفافية والتنافس العادل واحترام إرادة الناخب وتقديم الكفاءة على الولاء الشخصي المطلوب
هو استخلاص الخبرة التنظيمية لا إعادة إنتاج الاختلالات السياسية التي أضعفت الثقة في العمل الحزبي كما أن إدارة الأغلبية لا ينبغي أن تكون غاية مستقلة عن مصالح المواطنين فالقيمة الحقيقية لأي حزب لا تُقاس فقط بقدرته على حصد المقاعد بل بقدرته على تحويل تمثيله السياسي إلى تشريعات فعالة ورقابة جادة وخدمات ملموسة ومواقف واضحة من القضايا التي تشغل المجتمع اذاً نحن في حاجة إلى أحزاب تعرف لماذا توجد وماذا تريد وكيف تصل إلى أهدافها ومن أين تستمد قوتها أحزاب لا تنتظر التعليمات في كل خطوة ولا تختزل العمل السياسي في صورة أو تصريح ولا تكتشف قواعدها قبل الانتخابات بأسابيع ثم تغيب عنها بعد انتهاء المنافسة
فهل نحن في حاجة إلى عقل أحمد عز التنظيمي ..؟؟
إذا كان المقصود هو الاستفادة من الخبرة في إدارة الهياكل الحزبية وربط المستويات التنظيمية والتخطيط للانتخابات وتقييم الأداء وبناء شبكات اتصال فعالة فإن الحاجة إلى هذه المهارات حقيقية ليس في حزب واحد بل في الحياة الحزبية المصرية كلها أما إذا كان المقصود هو العودة إلى أساليب الماضي بكل ما ارتبط بها من اختلالات وانتقادات فذلك ليس هو الحل ولا ينبغي أن يكون الهدف فالزمن تغير والمجتمع تغير ووعي المواطنين تغير ولم يعد مقبولاً أن يُختزل نجاح الحزب في قدرته على الحشد أو ضمان الأغلبية النجاح الحقيقي هو أن يستطيع الحزب المنافسة ببرنامج مقنع وأن يصل إلى البرلمان بإرادة الناخبين وأن يحافظ على ثقة قواعده من خلال الأداء والإنجاز نحن لا نحتاج إلى نسخة جديدة من الحزب الوطني بل إلى أحزاب حديثة تتعلم من التجارب السابقة وتستفيد من الخبرات المتراكمة وتتجنب الأخطاء التي أضعفت الثقة في الممارسة السياسية فاستدعاء تجربة أحمد عز في هذا السياق ليس حنينًا إلى الحزب الوطني ولا تجاهلاً لصفحة سياسية بكل ما حملته من جدل بل هو اعتراف بأن التنظيم علم وخبرة وإن احمد عز كان معلم كبير وأن العمل الحزبي يحتاج إلى إدارة محترفة وأن المواقع القيادية لا تمنح أصحابها تلقائياً القدرة على إدارتها فتجربة أحمد عز تطرح قضية أكبر من شخصه وأهم من اسم أي حزب إنها تطرح سؤال عن الكفاءة في إدارة العمل السياسي فليس كل من يتصدر المشهد قادراً
على إدارته وليس كل من يمتلك المقاعد يمتلك أدوات التأثير وليس كل من يشغل موقعاً قيادياً يعرف كيف يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار
فالتنظيم السياسي صنعة وإدارة الأغلبية علم وخبرة وبناء الأحزاب مسؤولية تتطلب عقلاً استراتيجياً ورؤية واضحة وانضباطاً مؤسسياً
فإذا كانت الأحزاب المصرية تريد أن تكون فاعلاً حقيقياً في مستقبل البلاد فعليها أن تتوقف عن الاكتفاء بالمظاهر وأن تبدأ من الداخل تنظيماً حقيقياً وقيادات مؤهلة وقواعد نشطة وبرامج قابلة للتنفيذ ومحاسبة لا تستثني أحداً لأننا
لسنا في حاجة إلى استعادة أشخاص الماضي بقدر حاجتنا إلى استعادة قيمة العمل المؤسسي ولسنا في حاجة إلى تكرار تجربة انتهت بل إلى استخلاص دروسها وصناعة تجربة أفضل منها فالأغلبية التي لا يسندها تنظيم حقيقي قد تتراجع والحزب الذي لا يجدد أدواته يفقد قدرته على الاستمرار أما الحزب الذي يجمع بين قوة التنظيم ونزاهة الممارسة وثقة المواطنين فهو وحده القادر على صناعة حضور سياسي مستدام هذه هي الرسالة الأهم لا تبحثوا عن أحمد عز جديد بقدر ما ابحثوا عن عقل تنظيمي حديث يصنع حزباً قويًاً دون أن يختزل السياسة في السيطرة ويدير الأغلبية دون أن ينسى أن الغاية النهائية من العمل الحزبي وهي خدمة الوطن والمواطن لا مجرد البقاء في صدارة المشهد فقط لأن مصر لا تحتاج إلى استنساخ الماضي بل إلى تعلّم دروسه ولا تحتاج إلى إعادة إنتاج نموذج قديم بل إلى بناء نموذج حزبي حديث يجمع بين كفاءة التنظيم ونزاهة الممارسة وصدق الاتصال بالناس
فالأحزاب لا تصبح قوية بمجرد أن تتصدر المشهد وإنما تصبح جديرة بالصدارة عندما تمتلك الكوادر والرؤية والانضباط والقدرة على الاستمرار أما المناصب مهما علت فلا تصنع قائداً تنظيمياً الذي يصنعه هو القدرة على بناء مؤسسة تعمل بكفاءة وتنتج قيادات جديدة وتكسب ثقة المواطنين
فالسياسة ليست مجرد مقاعد تُحصد بل مؤسسات تُبنى وعقول تُدار، وثقة تُكتسب
وهذا هو فن التنظيم الذي نحتاج إلى استعادته لا لاسترجاع الماضي وإنما لصناعة مستقبل حزبي أكثر قوة ونضجاً ومسؤولية