الاعلامى خالد مصطفى يكتب : لماذا يصعب كسر مصر أو إخضاع رئيسها
لا تُقاس قوة الدول فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقط بعدد الدبابات والطائرات ولا بعدد التحالفات أحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تعرف الدولة أين تقف ومتى تتراجع ومتى تضع خطاً أحمر لا تسمح بتجاوزه ومن هذه الزاوية يمكن قراءة السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة باعتبارها محاولة مستمرة لمنع تحول البيئة المحيطة بمصر إلى حزام من الأزمات المعادية أو الفوضوية من ليبيا غرباً إلى السودان جنوباً ثم غزة وسيناء شرقاً وأخيراً أمن النيل والقرن الأفريقي في العمق الاستراتيجي الأوسع
هذه ليست قصة دولة تقف متفرجة بينما تتغير موازين القوة حولها فالقاهرة تحاول أن تمنع الآخرين من تحويل محيط مصر إلى مساحة يمكن استخدامها ضدها فى الإتجاهات المشتعلة
– بخصوص ليبيا
لن تسمح مصر بالفوضى الليبية ان تصل لحدودنا لان ليبيا بالنسبة لمصر ليست ملفاً خارجياً عادياً فالحدود الطويلة بين البلدين تجعل أي انهيار أمني في ليبيا قابلًا للانتقال
إلى الداخل المصري عبر السلاح والتهريب والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية ولذلك كان من الطبيعي أن تتحول ليبيا إلى إحدى أهم ساحات السياسة المصرية
فالقاهرة دعمت في مراحل مختلفة قوى الشرق الليبي لكنها في الوقت نفسه لم تكن تملك القدرة على فرض حل نهائي على بلد منقسم تتداخل فيه مصالح تركيا وروسيا والإمارات ودول غربية وأطراف ليبية متعددة ورغم ذلك فنجاح مصر في ليبيا لا يُقاس بالسيطرة عليها وإنما بمنع قيام نظام أو قوة معادية على حدودها الغربية و هذا الفرق الجوهري لأن مصر دفعت باتجاه تسوية سياسية وحافظت على قنوات مع أطراف مختلفة واستمرت في التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومي و ظل التنسيق المصري مع الولايات المتحدة حول حاضراً في الاتصالات الإقليمية وفي الوقت نفسه تكشف التطورات أن المشهد الليبي لا يزال شديد التعقيد فحتى القوى التي تتعاون مع القاهرة قد تمتلك حساباتها الخاصة التي لا تتطابق دائماً مع المصالح المصرية إذن العبارة الأدق ليست هل مصر سيطرت على ليبيا بل هل مصر منعت ليبيا من أن تصبح ارض سهلة ومفتوحة بالكامل أمام خصومها وهذا في علم الجغرافيا السياسية إنجاز مختلف تماماً لأن مصر لا تستطيع أن تعزل نفسها عن ليبيا لأن حدودها الغربية ليست مجرد خط على الخريطة ولا تستطيع أن تنظر إلى السودان باعتباره شأناً داخلياً لدولة أخرى لأن النيل والحدود والأمن يجعلون ما يحدث هناك جزءاً من أمنها المباشر ولا تستطيع أن تفصل سيناء عن غزة أو البحر الأحمر عن قناة السويس أو القرن الأفريقي عن مياه النيل ولهذا فإن فهم السياسة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يبدأ من سؤال ماذا تريد مصر أن تأخذ بل من سؤال أكثر أهمية ماذا تحاول مصر أن تمنع الآخرين من أخذه منها وهنا تتغير قراءة المشهد كله فإذا كانت ليبيا هي الجبهة الغربية
– فالسودان هو العمق الجنوبي
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية لأن السودان يرتبط بمصر بثلاثة ملفات ضخمة في وقت واحد الحدود والأمن ومياه النيل فالحرب السودانية جعلت هذا العمق مهدداً بصورة غير مسبوقة وكلما اتسعت الحرب وتدخلت فيها قوى خارجية أصبح الخطر بالنسبة للقاهرة أكبر ولهذا تنظر مصر إلى بقاء الدولة السودانية موحدة وإلى منع انهيار مؤسساتها باعتبارهما مصلحة أمن قومي وتشير تحليلات متعددة إلى أن القاهرة تنظر إلى قوات الدعم السريع باعتبارها تهديداً محتملاً إذا امتد نفوذها باتجاه شمال السودان في ظل ارتباط الملف السوداني أيضاً بالتنافس حول مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي
فمصر تستطيع التأثير والتفاوض وبناء العلاقات ودعم طرف والتحرك دبلوماسياً لكنها لا تستطيع ببساطة أن تختار وحدها شكل السودان القادم والأخطر من ذلك أن شبكة الحرب السودانية أصبحت مرتبطة بممرات إقليمية تمتد من ليبيا وتشاد إلى الخليج والقرن الأفريقي مع تقارير حديثة عن تدفق أسلحة ومرتزقة وشبكات إمداد عبر هذه المساحات وهنا تصبح المعركة المصرية الحقيقية ليست امتلاك السودان وإنما منع سقوط السودان في يد قوة تستطيع استخدامه كمنصة ضغط على مصر فالسودان هو الامتداد الجغرافي الطبيعي لجنوب مصر وهو جزء من منظومة النيل كما أن استقرار الدولة السودانية يؤثر في أمن الحدود المصرية وفي توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ولهذا تميل القاهرة إلى دعم بقاء الدولة السودانية ومؤسساتها وترفض أن يتحول السودان إلى ساحة مفتوحة تستطيع من خلالها قوى أخرى بناء نفوذ دائم على الحدود المصرية
– أما سيناء
فهى الخط الذي لا يمكن تجاوزه
فسيناء ليست مجرد أرض مصرية في الحسابات الاستراتيجية إنها بوابة مصر إلى المشرق وممر حساس بين آسيا وأفريقيا وأحد أهم عناصر الأمن القومي المصري ومنذ اندلاع حرب غزة أصبح الضغط على سيناء أكثر وضوحاً خصوصاً مع فكرة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية وهي فكرة رفضتها القاهرة باعتبارها تهديداً للأمن القومي المصري وللقضية الفلسطينية في آن واحد وهنا يظهر أحد أكثر الخطوط وضوحاً في السياسة المصرية لا تحويل سيناء إلى حل لمشكلة ليست مصر صاحبة قرار فيها ولا قبول بتحميل مصر تبعات حرب تجري خارج حدودها فالموقف المصري من هذه المسألة ليس مجرد خطاب سياسي لأنه مرتبط مباشرة بفكرة السيادة على سيناء وبطبيعة الأمن المصري شرق البلاد ولهذا فإن من يقرأ السياسة المصرية خلال هذه المرحلة يجب أن يفهم أن القاهرة لا تتعامل مع سيناء باعتبارها ورقة يمكن المقايضة عليها بسهولة فسيناء بالنسبة إلى الدولة المصرية ليست مجرد أرض إنها جزء من معنى الدولة ذاتها ولهذا فإن من يتصور أن القاهرة يمكن أن تقبل بسهولة بتحويلها إلى منطقة عازلة أو مكان مؤقت لملايين البشر يتجاهل طبيعة الحسابات المصرية في هذه النقطة تحديداً حيث كان موقف القاهرة أقرب إلى رسالة استراتيجية
الحرب قد تكون في جوارنا لكن ثمنها لا يمكن أن يكون إعادة تعريف للأراضى المصرية
[٢٥/٨, ٣:٤٦ م] +44 7402 792307: – أما بخصوص إثيوبيا والنيل
فهنا تصبح الصورة أكبر من ليبيا والسودان وسيناء لان مصر تواجه تحدياً استراتيجياً
في الجنوب الشرقي يتمثل في سد النهضة والنفوذ الإثيوبي المتزايد في القرن الأفريقي
وبالتالي فإن المساحات التي تبدو منفصلة السودان البحر الأحمر القرن الأفريقي الصومال ليبيا كلها ترتبط في الحساب المصري بخيط واحد هو أمن الدولة المصرية الذى يبدأ خارج حدودها المباشرة وعندما يتعلق الأمر بمصادر المياه والممرات الاستراتيجية والحدود
وهذا يفسر لماذا أصبحت القاهرة أكثر نشاطاً
في ملفات القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة ولماذا تحولت العلاقات مع دول المنطقة إلى جزء من معادلة الأمن القومي المصري وتشير مجموعة الأزمات الدولية في تقييم حديث إلى أن تشابك الأزمات في القرن الأفريقي يدفع مصر نحو سياسة أكثر نشاطاً في المنطقة فالنيل ليس مجرد ورقة فى السياسة المصرية إنه مسألة وجود ولهذا فإن السودان وإثيوبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر لا يمكن فصلهم عن الحسابات المصري كلما ازداد نفوذ قوى أخرى في هذه المنطقة زادت أهمية أن تمتلك القاهرة علاقات وحضوراً وقدرة على الحركة وهنا يمكن فهم التحرك المصري في أفريقيا والقرن الأفريقي باعتباره جزءاً من إعادة بناء المجال الاستراتيجي للدولة لا مجرد نشاط دبلوماسي عابر فالقاهرة تدرك أن المعارك المستقبلية قد لا تبدأ على الحدود المصرية نفسها فقد تبدأ في مكان أبعد ثم تصل آثارها
إلى مصر
– كيف قلب السيسى الترابيزة
نعم يمكن القول إن مصر خلال عهد السيسي غيرت طريقة تعاملها مع محيطها لم تعد القاهرة تريد أن تكون مجرد دولة تنتظر ما تفعله القوى الإقليمية والدولية ثم تتفاعل معه بل أصبحت أكثر استعداداً لإظهار القوة ووضع خطوط حمراء، وبناء علاقات متوازية والتدخل السياسي والأمني عندما ترى أن مصالحها الحيوية مهددة حيث
وضعت خطوطاً حمراء ثم دخلت في ملفات كانت تعتبرها سابقاً بعيدة وبنت علاقات متوازنة مع قوى متنافسة وحافظت على اتصالها بواشنطن وموسكو وبكين والعواصم العربية والأفريقية في الوقت نفسه واستخدمت ثقلها العسكري والدبلوماسي والجغرافي لتقول إن إعادة تشكيل الإقليم لن تتم من دون حساب القاهرة وهذه ربما هي النقطة التي تستحق أكبر قدر من الانتباه
– وأخيراً لماذا يصعب كسر مصر
هناك حقيقة جغرافية لا يمكن تجاهلها مصر دولة مركزية في المنطقة بحكم موقعها قبل أن تكون كذلك بحكم سياستها عدد سكانها قناة السويس البحر المتوسط البحر الأحمر النيل الحدود مع ليبيا والسودان وإسرائيل والوزن العسكري والسياسي والدبلوماسي كلها تجعل تجاهل القاهرة مكلفاً لأي مشروع إقليمي كبير
قد تختلف معها قد تضغط عليها قد تحاول تطويقها سياسياً أو اقتصادياً لكن من الصعب أن تعيد تشكيل المنطقة بالكامل من دون حساب رد الفعل المصري ولهذا، فإن جزء مهم من السياسة المصرية في عهد السيسي يمكن فهمه باعتباره سياسة (منع الطوق) ليس الهدف منه أن تكون مصر صاحبة القرار في كل عاصمة بل ألا تسمح بأن يصبح القرار في العواصم المحيطة بها مصمماً ضد مصالحها الحيوية فيمكن أن تختلف مع السيسي كما شئت لكن إذا أردنا تقييم سياسته الداخلية والخارجية نجده يتعامل بميزان الجغرافيا السياسية المحترفة فمن الصعب تجاهل أن مصر خلال وجود الرئيس السيسى قد منعت انهيار محيطها الاستراتيجي في أى اتجاه قد يهددها مباشرة في ليبيا سعى
إلى منع قيام أى واقع معادى على الحدود الغربية في السودان تمسك بمبدأ بقاء الدولة ومنع تحول حدودها الجنوبية إلى مصدر تهديد دائم في سيناء طهرها من الإرهاب ورفض تحويل الأرض المصرية إلى مخرج لأزمة غزة وفي ملف النيل والقرن الأفريقي يحاول توسيع التحركات الدبلوماسية قبل أن تتحول التطورات ويكون الردع العسكرى هو قراره الأخير قد يكون أكبر انتصار لدولة بحجم مصر هو ببساطة أن تظل قادرة على إدارة جميع الملفات الشائكة مع وجود رئيس يفهم طبيعة كل ملف ويتحرك فى جميع الإتجاهات ويقول بصراحة وبأعلى صوت مصر هنا وستظل عصية على الجميع