القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامى خالد مصطفى يكتب : عودة الدول

بعد عشرات السنين من الترويج للخصخصة وتحرير الأسواق العالمية وتقليص دور الدولة أكتشف الغرب مؤخراً تحت ضغط الأزمات أن السوق المفتوح ليس دائماً قادراً على حماية الدولة خاصة عندما تصبح المصالح على المحك لقد أمضت أوروبا سنوات طويلة وهي تشجع على تحرير الاقتصاد وبيع الشركات الحكومية وفتح الأسواق أمام المنافسة الأجنبية انطلاقاً من قناعة أن القطاع الخاص أكثر كفاءة وأن السوق أقدر من الحكومة على تحديد من ينتج وماذا ينتج وبأي تكلفة وجاءت جائحة كورونا لتكشف ضعف سلاسل الإمداد العالمية ثم جاءت الحرب في أوكرانيا وبعدها أزمة مضيق هرمز لتكشف خطورة الاعتماد على الخارج حيث اكتشفت أوروبا فجأة أن شركات الطاقة والغذاء والتعدين ليست مجرد شركات تبحث عن الأرباح بل هي جزءاً من منظومة الأمن القومي وأصبح السؤال هل تملك الحكومات القدرة على إنتاج ما تحتاج إليه عندما تتعطل الأسواق الخارجية هذا السؤال غير التفكير الاوروبي في السابق كان من السهل أن تقول الحكومات الغربية لماذا ننتج الحديد إذا كان بإمكاننا استيراده ولماذا نحتفظ بشركات الطاقة الحكومية إذا كان القطاع الخاص يستطيع إدارتها ولماذا ندعم الزراعة بينما يمكن شرائها ارخص من الخارج ولكن ماذا لو لم يعد الحديد متاحاً ماذا لو توقف إنتاج الطاقة ماذا لو قررت دولة أخرى استخدام منتجاتها كسلاح ممانعة ضدنا وماذا لو أصبح أمننا الاقتصادي مرهوناً بقرار شركات أو حكومات أجنبية عندها اكتشفت الحكومات الغربية أن الأرخص ليس دائماً هو الأكثر أهمية فتعود الدول الغربية اليوم إلى قطاعات كانت قد تخلت عنها بعدما أدركت أن الاعتماد الكامل على القطاع الخاص يهدد قدرتها على مواجهة الأزمات وحماية البنية التحتية وتوفير الخدمات الصحية وتحلية وتنقية المياة و خدمات النقل وغيرها وهكذا عادت الدولة إلى المشهد لأن بعض القطاعات ترتبط بالأمن الوطني ولا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق الربح والخسارة و المفارقة أن هذا يحدث في الدول نفسها التي كانت لعشرات السنين تروج عن مزايا تقليص ملكية الدولة وتطالب وتضغط على الدول الأخرى بالخصخصة وتحرير الأسواق مما ادى إلى ترهل التفكير الاداري الحكومي نتيجة اعتماده على القطاع الخاص بحيث اصبح كثير الكلام وقليل الفعل في الميدان فاليوم الصين والهند والبرازيل و روسيا أربكوا المعادلة فأوروبا لم تعد تنافس شركات خاصة وإنما تنافس دول تدعم صناعاتها وتمول تكنولوجياتها وتحمي أسواقها وتتحمل الخسائر لسنوات والهدف من ذلك أمن الوطن لهذا بدأت أوروبا تعيد اكتشاف نفسها فظهر نموذج جديد اسمه رأسمالية الدولة الاستراتيجية تتدخل الدولة للتحكّم بأمنها الصناعي واستقلالها الاقتصادي وقدرتها على الصمود فلم يعد الأمن القومي العالمى يعني الجيش والسلاح فقط بل يعني من ينتج طاقتك من يدير مستشفياتك و ينتج أدويتك من يتحكم في شبكات الاتصالات من يضمن غذاءك وهنا اكتشفوا بان الدول التي تخلت عن أصولها بحثاً عن المرونة بدأت تدفع المليارات لاستعادتها ألمانيا اغلقت اكثر من مليون شركة ومصنع فرنسا انهت عقود الآلاف من السركات الشركات وأعادت إدارة المياه إلى البلديات بهدف خفض التكاليف وأعادت الحكومة الإسبانية في بعض الاقاليم المستشفيات التي كانت تُدار عن طريق القطاع الخاص إلى الإدارة الحكومية للصحة ولعل أهم درس للإدارات الجديدة اليوم هو أن الرأسمالية نفسها ليست عقيدة ثابتة فهي تتغير عندما تتغير المصالح وموازين القوة والتهديدات فبعد عقود قضتها دول غربية في تقليص حجم الدولة اقتصادياً وعسكرياً وتوسيع دور القطاع الخاص والخصخصة بدء الغرب يعود من الباب الذي لا يستطيع إغلاقه باب الأمن القومي وكم من الأشياء التي باعتها الدول بالأمس باسم الخصخصة تضطر الان إلى إعادة شرائها باسم السيادة

اترك رد