القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامي فهمي الدراوي يكتب : « حين تُسرق العقول تُسقط الأوطان » الفساد في التعليم لا يبدأ بسرقة المال بل بسرقة الضمير

( قد تُسترد الأموال إذا سُرقت، لكن من يعيد للوطن ضميره إذا سُرق داخل قاعة امتحان؟ ) ينتهي الامتحان، ويخرج الطلاب من اللجان. بعضهم يبتسم لأنه حصد ثمرة اجتهاده، وآخرون يبتسمون لأنهم نجحوا في خداع المراقبين. وبين الابتسامتين يبدأ السؤال الذي يجب أن يؤرق كل مسؤول، وكل معلم، وكل ولي أمر:
ماذا_خسر_الوطن_اليوم؟ قد يظن البعض أن الغش مجرد مخالفة مدرسية، أو واقعة تنتهي بانتهاء الامتحان، لكن الحقيقة أنه أخطر من ذلك بكثير.  فالغش ليس خطأً عابرًا، بل أول درس عملي في الفساد، وأول اختبار يسقط فيه الضمير قبل أن يسقط العلم.
عندما_يُذكر_الفساد، تتجه الأنظار إلى الرشوة، وإهدار المال العام، واستغلال النفوذ. غير أن أخطر أنواع الفساد لا يولد في المكاتب، ولا خلف الأبواب المغلقة، بل يبدأ داخل الفصل الدراسي، عندما يقتنع طالب بأن النجاح يمكن أن يُشترى بالحيلة، لا يُكتسب بالاجتهاد.
لقد_تغيّر_الغش كما تغيّر العالم. لم يعد مجرد ورقة تُخفى في جيب، أو إجابة تُهمس بين طالبين. ومع الثورة الرقمية، ظهرت وسائل اتصال وأجهزة إلكترونية دقيقة تُستغل للتحايل على الامتحانات، في محاولة لتحويل التكنولوجيا، التي خُلقت لخدمة المعرفة، إلى أداة لاغتيالها.
لكن المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل فيمن يُسيء استخدامها. فالوسائل تتغير، #أما_الفكرة_فتبقى_واحدة: الوصول إلى النجاح دون استحقاق.
ومن_هنا_تبدأ_الكارثة.
فالطالب الذي ينجح بالغش لا يسرق درجات فقط، بل يسرق ثقته بنفسه، ويسرق حق زميله الذي اجتهد، ويسرق ثقة المجتمع في قيمة الشهادة. والأسوأ أنه يعتاد أن الطريق الأقصر هو الطريق الصحيح، فيكبر وهو يؤمن بأن التحايل وسيلة مشروعة لتحقيق المكاسب.
#وهنا_يتحول_الغش_من_مخالفة_تعليمية إلى ثقافة اجتماعية.
كل مسؤول فاسد كان يومًا طالبًا.
وكل مسؤول نزيه كان يومًا طالبًا أيضًا.
والفرق_بينهما لم يبدأ في الوظيفة، بل بدأ في المدرسة، يوم اختار أحدهما أن يتعب ليصل، بينما اختار الآخر أن يصل بأي وسيلة.
لهذا فإن أول معركة ضد الفساد لا تبدأ في أجهزة الرقابة، بل تبدأ داخل المدرسة.
تخيل طبيبًا حصل على شهادته بالغش… هل تأمنه على حياة المرضى؟
وتخيل مهندسًا لم يتقن أصول مهنته… هل تطمئن إلى البناء الذي صممه؟
وتخيل معلمًا لم يؤمن يومًا بقيمة الاجتهاد… ماذا سيزرع في عقول تلاميذه؟
إنها ليست صورًا من الخيال، بل نتائج منطقية عندما نفقد احترامنا للعلم، ونستبدل الكفاءة بالمظاهر، والشهادة بالمعرفة.
غير_أن_الفساد_في_التعليم_لا_يقف_عند_حدود_الغش.
إنه_يظهر عندما تتحول المدرسة إلى مبنى بلا رسالة، ويصبح الدرس الحقيقي خارج أسوارها.
ويظهر عندما يطغى الحفظ على الفهم، والدرجات على المعرفة، والشهادة على الكفاءة. ويظهر عندما تتراجع مكانة المعلم، أو تُهدر الإمكانات، أو تتسع الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاج إليه سوق العمل. كما_يظهر عندما يُحارب المجتهد بالإهمال، بينما يجد المتحايل من يبرر له فعلته أو يهون من خطورتها.
ولا_يجوز_أن_نلقي_المسؤولية_على_الطالب_وحده.
فالأسرة مسؤولة عن غرس قيمة الأمانة. والمدرسة مسؤولة عن بناء الشخصية قبل تلقين المعلومات. والإعلام مسؤول عن ترسيخ ثقافة النزاهة، لا ثقافة “النجاح بأي ثمن”. ومؤسسات_الدولة_مسؤولة عن تطوير منظومة التعليم، وتأمين الامتحانات، وتحديث أساليب التقييم، حتى تقيس الفهم والابتكار، لا الحفظ والاسترجاع.
لقد بذلت الدولة جهودًا كبيرة في تطوير البنية التعليمية، وإنشاء مدارس وجامعات جديدة، وتحديث نظم الامتحانات، وهي خطوات مهمة تستحق التقدير.
لكن_نجاح_أي_تطوير_سيظل_مرهونًا بترسيخ قيمة النزاهة، لأن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع أن تحمي منظومة فقدت بوصلتها الأخلاقية.
إن_أخطر_ما_يواجه_التعليم_اليوم ليس نقص الإمكانات وحده، بل تراجع قيمة الضمير.
فالضمير لا يُدرَّس في كتاب، لكنه يُمارس في كل موقف، ويظهر في كل امتحان، ويصنع الفارق بين طالب يسعى إلى العلم، وآخر يسعى إلى الشهادة فقط.
ومن_هنا، فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بإضافة مادة جديدة، ولا بتغيير نظام امتحان، بل يبدأ بإعادة الاعتبار لقيمة الصدق، واحترام الجهد، وتكافؤ الفرص، واليقين بأن النجاح الحقيقي لا يُبنى إلا على الاستحقاق.
إن_معركة_إصلاح_التعليم ليست معركة وزارة، ولا مسؤول، ولا معلم، بل معركة وطن بأكمله.
فإذا أردنا قاضيًا عادلًا، وطبيبًا أمينًا، ومهندسًا مبدعًا، وضابطًا يحمي القانون، وصحفيًا يحترم الحقيقة، فعلينا أولًا أن نحمي نزاهة الامتحان، لأن المدرسة هي أول مكان يتعلم فيه الإنسان معنى العدالة.
ويبقى_السؤال… هل نريد أبناءً يحملون شهادات، أم نريد مواطنين يحملون ضمائر؟ فالشهادة قد تمنح صاحبها وظيفة، لكن_الضمير وحده هو الذي يجعله أهلًا لتحمل المسؤولية.
قد نبني مدرسة في عام، وجامعة في سنوات، لكن بناء الإنسان يحتاج إلى زمن وإرادة وقدوة.
فإذا أردنا أن نحارب الفساد، فلنبدأ من المدرسة. وإذا أردنا أن نبني جمهورية قوية، فلنحمِ أولًا شرف الامتحان، لأن الأوطان لا تسقط يوم تُسرق أموالها، بل يوم تُسرق عقول أبنائها، ويصبح الغش ثقافة، والفساد طريقًا، والضمير استثناءً.

اترك رد