القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامي فهمي الدراوي يكتب : « نجحوا في الثانوية فسقطوا في الجامعة » عندما يتحول المجموع إلى شهادة حسن سير للجهل.. من المسؤول عن صناعة « النجاح الوهمي »

هناك لحظة يجب أن نتوقف عندها جميعًا، وأن نغلق فيها دفاتر المجاملات، ونضع التعليم على طاولة التشريح بلا مساحيق ولا عبارات إنشائية.
لحظة وصول الطالب إلى الجامعة.
هناك، ولأول مرة، يسقط القناع.
لا توجد درجات رأفة تخفي ضعفًا.
لا توجد مراجعة ليلة الامتحان تستطيع أن تصنع علمًا في ساعات.
لا توجد (توقعات) للأسئلة يمكن أن تنقذ طالبًا لم يتعلم كيف يفهم.
هناك فقط طالب أمام علم حقيقي، ومناهج حقيقية، وأساتذة جامعات، وامتحانات لا تسأل: (كم حصلت في الثانوية؟) وإنما تسأل السؤال الذي تهرب منه منظومتنا منذ سنوات:
#ماذا_تعلمت_فعلًا؟
وهنا تبدأ الحكاية التي يجب أن تقلقنا جميعًا.
من 99% او100% إلى أول الطريق!
كيف_يمكن_لطالب أن يحصل على مجموع يؤهله لدخول كلية من كليات القمة، وربما كلية الطب تحديدًا، ثم يصطدم في سنته الجامعية الأولى بجدار من التعثر والرسوب؟
مرة_أخرى، لا أتحدث عن طالب رسب في مادة أو تعثر في عامه الأول؛ فهذا أمر طبيعي في الحياة الجامعية.
أنا أتحدث عن نسب رسوب جماعية تستحق أن تجعلنا نسأل عن الخلل الذي سبق الجامعة.
في_سوهاج، على سبيل المثال، شهدت إحدى نتائج الفرقة الأولى بكلية الطب نسب رسوب مرتفعة للغاية، وصلت في إحدى النتائج المتداولة إلى نحو 75%، ثم ظهرت لاحقًا أرقام أخرى لدفعة تضمنت رسوب 307 طلاب من أصل 382 طالبًا، وهي نسبة تقترب من 80%، مع وجود إجراءات للتظلمات وفرص أخرى للطلاب.
قد تختلف الأرقام من دفعة إلى أخرى، وقد تختلف الملابسات من جامعة إلى أخرى، ولذلك لا يجوز أن نحول واقعة واحدة إلى حكم على الجميع.
لكن_الرقم_هنا_ليس_هو_القضية.
القضية أن الجرس قد دق.
فهل_سنستمع_إليه؟
أم سنكتفي بالقول: (الطب صعب)؟
نعم، الطب صعب.
لكن_السؤال_الأصعب:
لماذا يدخل عدد كبير من الطلاب إليه بمجاميع تؤكد أنهم من النخبة، ثم يكتشف بعضهم سريعًا أن أدواتهم العلمية لا تكفي لمواجهة الطريق؟
المشكلة ليست أن الطالب رسب.. المشكلة أنه وصل إلى هنا أصلًا
هذه هي النقطة التي أرى أننا نهرب منها دائمًا.
نحن ننظر إلى الطالب الذي رسب في الجامعة ونقول:
(مستواه ضعيف).
(لم يذاكر).
(الجامعة صعبة).
(الامتحان كان صعبًا).
وقد يكون كل ذلك صحيحًا في حالات فردية.
#لكن عندما تتكرر الظاهرة بأعداد كبيرة، يصبح السؤال مختلفًا.
#هل_الطالب وحده هو المشكلة؟
#أم_أن_الجامعة كشفت لنا متأخرًا أن هناك مشكلة عمرها سنوات؟
ربما يكون الطالب قد اعتاد طوال مراحل تعليمه أن النجاح يعني حفظ الإجابة، وليس فهم السؤال.
#ربما اعتاد أن الهدف من المذاكرة هو الحصول على الدرجة، وليس امتلاك المعرفة.
#ربما عاش سنوات وهو ينتقل من صف إلى صف، بينما الفجوات المعرفية تتسع بداخله.
#ربما أصبح المجموع هو (شهادة البراءة) التي تمنعنا من الاقتراب من السؤال الحقيقي:
#هل_تعلم_هذا_الطالب_فعلًا؟
نحن أمام (اقتصاد للمجموع)
أصبحنا نعيش، للأسف، في مجتمع يقدس الرقم.
99% أفضل من 95%.
95% أفضل من 90%.
والطالب صاحب المجموع الأعلى يصبح تلقائيًا «المتفوق».
#لكن هل كل من حصل على 99% يمتلك عقلًا أفضل ممن حصل على 90%؟
#وهل_الرقم وحده يستطيع قياس قدرة الإنسان على الفهم والتحليل والبحث والإبداع؟
#بالطبع_لا.
ومع ذلك، بنينا منظومة كاملة حول الرقم.
الأسرة تركض خلف الرقم.
المدرس يطارد الرقم.
الطالب يخشى الرقم.
الإعلام يحتفي بالرقم.
والجامعات تستقبل الطالب بناءً على الرقم.
ثم نتفاجأ عندما تدخل الأرقام إلى الجامعة وتبدأ الحقيقة في الظهور.
المشكلة أننا خلطنا بين (التحصيل) و(التعلم)
وهما ليسا شيئًا واحدًا.
الدروس_الخصوصية_الوجه_الآخر_للمشكلة
في_المقال_السابق تحدثنا عن الدروس الخصوصية، ولماذا تحولت من وسيلة مساعدة إلى سوق ضخمة تلتهم ميزانية الأسرة وتعيد تشكيل علاقة الطالب بالمدرسة.
لكن_هناك_سؤالًا_يجب_أن_نطرحه_الآن:
ماذا_يحدث عندما يصبح الطالب مدربًا على حل الامتحان أكثر من كونه متعلمًا؟
قد يحفظ نماذج.
#قد يحفظ إجابات.
قد يتدرب على أنماط الأسئلة.
قد يعرف (المتوقع)
وقد يحقق بالفعل نتيجة مرتفعة.
لكن_عندما_يتغير_السؤال_أو_ينتقل_إلى_جامعة_تحتاج_إلى_الفهم_والتحليل_والتراكم_العلمي_تظهر_الفجوةوهنا لا يكون الطالب هو المذنب الوحيد.
لأننا نحن من علمناه أن الدرجة هي الغاية.
النجاح الوهمي أخطر من الرسوب
الرسوب مؤلم، لكنه صريح.
#أما النجاح الوهمي فهو أخطر.
لأن الرسوب يقول للطالب:
(هناك شيء يجب أن تصلحه)
بينما النجاح الوهمي يقول له:
(أنت ممتاز.. استمر)
#ثم يكتشف الحقيقة بعد سنوات.
قد يكتشفها في كلية الطب.
#وقد يكتشفها في سوق العمل.
وقد يكتشفها عندما يُطلب منه أن يحل مشكلة حقيقية ولا يجد في ذاكرته إجابة محفوظة.
وهنا تكون الخسارة قد أصبحت أكبر من الطالب نفسه.
لأن الدولة أنفقت عليه.
والأسرة أنفقت عليه.
والمدرسة استهلكت سنوات من عمره.
والمجتمع ينتظر منه أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو مدرسًا أو باحثًا.
ثم نكتشف أن الشهادة سبقت المعرفة.
وهل كل طالب متفوق (وهم)؟
بالطبع لا.
وهنا يجب أن نكون منصفين.
لدينا طلاب مصريون متفوقون بحق، اجتهدوا وتعبوا واستحقوا نتائجهم، وواصلوا نجاحهم في الجامعة وفي الحياة.
وهؤلاء يجب أن نرفع لهم القبعة.
لكن احترام المتفوق الحقيقي لا يكون بتجاهل الخلل.
بل بإعادة بناء منظومة تجعل الدرجات انعكاسًا حقيقيًا للعلم.
فالطالب المجتهد هو أول من يتضرر عندما يصبح المجموع مجرد رقم يمكن أن يخفي وراءه تفاوتًا كبيرًا في المستوى.
ماذا حدث للقراءة والكتابة؟
قبل أن نسأل لماذا رسب طالب في الطب، #يجب أن نعود إلى الأساس.
هل خرج من المدرسة وهو يجيد القراءة؟
هل يستطيع أن يقرأ نصًا طويلًا ويفهمه؟
هل يستطيع أن يكتب إجابة بلغة سليمة؟
هل يعرف كيف يبحث عن المعلومة؟
هل يستطيع أن يفرق بين المعلومة والرأي؟
هل تعلم كيف يفكر؟
هل يستطيع أن يناقش؟
هل يستطيع أن يتعلم بنفسه؟
#هذه ليست أسئلة فلسفية.
هذه هي أبجديات التعليم الحقيقي.
فإذا كانت الإجابة بالنفي، فلا يمكن أن نضع اللوم كله على الجامعة عندما يصطدم الطالب بالمناهج الجامعية.
الجامعة ليست مركز محو أمية.
والكلية ليست مكانًا لإصلاح كل ما أفسدته سنوات التعليم السابقة.
ومن هنا نصل إلى أخطر ملف: النجاح الجماعي
#عندما ترتفع نسب النجاح، نحتفل.
لكن هل سأل أحد:
ماذا تعني هذه النسبة؟
هل تعني أن الطلاب تعلموا؟
أم تعني أنهم اجتازوا الامتحان؟
هناك فرق بين الاثنين قد يساوي مستقبل وطن.
لأن نجاح 90% من الطلاب في امتحان لا يعني بالضرورة أن 90% منهم أصبحوا أكثر علمًا.
قد يعني فقط أن 90% استطاعوا اجتياز أداة القياس التي وضعناها أمامهم.
وإذا كانت أداة القياس نفسها لا تقيس الفهم الحقيقي، فإننا لا نملك (نسبة نجاح) بقدر ما نملك نسبة نجاح في اجتياز الاختبار.
لا نحتاج إلى تجميل النتائج.. نحتاج إلى إصلاح التعليم
الحل ليس أن نخفض نسب النجاح.
وليس أن نرسب نصف الطلاب لإثبات هيبة التعليم.
هذا ليس إصلاحًا.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من سؤال مختلف:
كيف نجعل الطالب لا يحتاج إلى النجاح الوهمي أصلًا؟
#نحتاج إلى تغيير فلسفة التعليم من الحفظ إلى الفهم.
من الدرجة إلى المهارة.
من الإجابة النموذجية إلى التفكير.
من الامتحان الواحد إلى التقييم المتعدد.
ومن «ماذا حفظ الطالب؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟».
#ونحتاج قبل كل شيء إلى تقييم صريح لمستوى الطالب في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم قبل أن نتركه ينتقل إلى مراحل أعلى.
نحتاج إلى كشف الفجوة.. لا إخفائها
لماذا لا تقوم الجهات المختصة بدراسة وطنية جادة؟
تأخذ عينة من الطلاب الذين حصلوا على مجاميع مرتفعة في الثانوية.
ثم تتابع أداءهم في السنة الأولى بالجامعة.
تدرس نسب النجاح والرسوب.
تدرس أسباب التعثر.
تقارن بين نوعية التعليم، والدرجات، والمهارات الفعلية.
ثم تخرج لنا بنتيجة علمية.
أين الفجوة؟
إذا كانت في الثانوية نعالج الثانوية.
إذا كانت في نظام القبول نعالج القبول.
إذا كانت في المناهج نعالج المناهج.
إذا كانت في طرق التدريس نعيد النظر فيها.
إذا كانت في الطالب نفسه نساعده على اكتشاف ضعفه مبكرًا.
أما أن نترك الطالب سنوات طويلة ثم نكتشف المشكلة عند بوابة الجامعة، فهذه ليست إدارة تعليم.
#هذه إدارة أزمة بعد وقوعها.
لا تجعلوا الطبيب مشروعًا للدرجات
هناك مهن يمكن أن تخطئ فيها فتدفع الثمن مالًا.
وهناك مهن يمكن أن تخطئ فيها فتدفع الثمن وقتًا.
لكن الطب مختلف.
الطبيب يتعامل مع حياة إنسان.
ولهذا فإن قضية مستوى طلاب الطب ليست شأنًا جامعيًا داخليًا.
إنها قضية أمن مجتمعي.
نحن لا نحتاج طبيبًا يعرف كيف يحصل على 99%.
نحتاج طبيبًا يعرف لماذا أعطى هذا الدواء، ولماذا طلب هذا التحليل، وكيف قرأ هذه الأشعة، وكيف اتخذ قراره.
وهذا لا يصنعه مجموع الثانوية.
هذا يصنعه تعليم حقيقي.
إلى وزارة التربية والتعليم.. وإلى الجامعات
لا نريد معركة اتهامات.
#نريد مصارحة.
ولا نريد أن يسأل كل طرف:
(من المخطئ؟)
قبل أن يسأل:
(أين الخلل؟)
نريد أن تتحدث وزارة التربية والتعليم مع الجامعات.
نريد أن تتحدث كليات الطب والهندسة والعلوم مع واضعي مناهج الثانوية.

نريد أن نعرف ما المهارات التي يحتاجها الطالب في الجامعة، وهل يحصل عليها فعلًا قبل أن يصل إليها.
نريد أن يصبح الانتقال بين مراحل التعليم انتقالًا معرفيًا، وليس مجرد انتقال إداري من كشف درجات إلى كشف درجات.
وأقولها_بصراحة..
لا تخدعونا بنسبة النجاح.
لا تقولوا لنا إن التعليم بخير لأن نسبة النجاح ارتفعت.
لا تقولوا لنا إن الطالب متفوق لأنه حصل على مجموع مرتفع.
ولا تقولوا لنا إن المشكلة في الجامعة فقط لأن طالبًا تعثر بعد وصوله إليها.
نحن نريد الحقيقة.
حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة.
لأن علاج المرض يبدأ بالاعتراف به.
أما أن نضع مساحيق على وجه منظومة التعليم، ونحتفل كل عام بأرقام النجاح، ثم نصطدم بعد ذلك بطوابير المتعثرين في الجامعات وسوق العمل، فهذا يعني أننا لا نعالج التعليم.
نحن نؤجل الانفجار.
الكلمة الأخيرة
لقد تحدثنا في مقالنا الأول عن أن حين تُسرق العقول تسقط الأوطان.
وتحدثنا بعد ذلك عن الدروس الخصوصية، وكيف تحولت من ظاهرة إلى منظومة موازية تستنزف الأسرة وتضغط على الطالب.
واليوم نصل إلى الحلقة الأخطر:
ماذا لو كنا لا نسرق عقل الطالب فقط… بل نقنعه أيضًا أنه تعلم؟
هذه هي الكارثة.
أن تمنح إنسانًا شهادة قبل أن تمنحه العلم.
أن تمنحه مجموعًا قبل أن تمنحه مهارة.
أن تمنحه لقب «متفوق» قبل أن تتأكد أنه قادر على مواجهة الحياة.
لأن أخطر طالب ليس هو الذي رسب.
أخطر طالب هو الذي نجح في كل شيء على الورق، ثم اكتشف عندما دخل الحياة أنه لم يتعلم شيئًا مما يحتاجه للحياة.
والأخطر من الطالب هو المنظومة التي سمحت بذلك.
فالسؤال لم يعد:
(كم بلغت نسبة النجاح؟)
السؤال الذي يجب أن يطاردنا جميعًا هو:
(كم من هؤلاء الناجحين خرج من المدرسة وهو يمتلك فعلًا ما يكفي من العلم ليكون جديرًا بمستقبل هذا الوطن؟)
إذا لم نملك الشجاعة لطرح هذا السؤال الآن…
فمتى؟
لأن الوطن لا يسقط يوم يرسب أبناؤه…
الوطن يبدأ في السقوط يوم ينجح أبناؤه في الشهادات، ويفشلون في امتلاك العلم.

اترك رد