الإعلامي خالد مصطفى يكتب : العلاقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا
التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا يعتبر أحد أقدم وأقوى الشراكات
في العصر الحديث وغالبا ما يشار إليه بمصطلح العلاقة الخاصة هذه العلاقة ليست مجرد تعاون دبلوماسي أو اقتصادي بل تمتد إلى مجالات
الأمن والدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا فلم تنشأ هذه العلاقة في لحظة واحدة وإنما تشكلت تدريجياً نتيجة عوامل تاريخية وثقافية وسياسية وعسكرية واقتصادية وقد كان القرن العشرون
هو المرحلة الحاسمة في ترسيخها خصوصاً خلال الحربين العالميتين ثم الحرب الباردة وصولاً إلى النظام الدولي المعاصر وأصبح التعاون بين واشنطن ولندن يشمل مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات والاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا والطاقة النووية وعلى الرغم من أن الدولتين تتمتعان بسيادة كاملة وتتخذ كل منهما قراراتها وفقاً لمصالحها الوطنية فإن العلاقات بينهما تجاوزت حدود التعاون التقليدي بين دولتين فالتحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا لم يكن يوماً يوماً مجرد اتفاق سياسي عابر بل هو شراكة تاريخية متجذرة شكلت ملامح النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم إعتباراً من ميادين القتال في أوروبا إبان الحرب العالمية مروراً بسنوات الحرب الباردة ووصولاً إلى الملفات الساخنة في الشرق الأوسط وآسيا ظلت واشنطن ولندن تتحركان
في كثير من الأحيان كجناحين لسياسة واحدة
فتعود الروابط بين الشعبين الأمريكي والبريطاني إلى التاريخ المشترك فالولايات المتحدة نشأت أصلاً من المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية وعلى الرغم من أن استقلال الولايات المتحدة أدى إلى نشوب حروب وصراعات بين الطرفين في المراحل الأولى من التاريخ الأمريكي فإن العلاقات بدأت تتحسن تدريجياً خلال القرن التاسع عشر ومع مرور الوقت ظهرت مصالح مشتركة بين البلدين، خاصة في التجارة والسياسة الدولية كما ساهم التقارب الثقافي واللغوي في بناء أرضية مشتركة جعلت التعاون بينهما أكثر سهولة مقارنة بعلاقات الولايات المتحدة مع العديد من القوى الأخرى تكاملان في الرؤية ويتشاركان في القرار وللعلاقة بين البلدين ملامح عديدة منها الجذور التاريخية لكن التحول الأكبر جاء مع بداية القرن العشرين عندما بدأت الولايات المتحدة تتحول إلى قوة عالمية كبرى
في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تواجه تحديات متزايدة للحفاظ على إمبراطوريتها الدولية حيث
كانت الحرب العالمية الثانية نقطة التحول الأساسية في العلاقات الأمريكية البريطانية فقد أدركت واشنطن ولندن أن مواجهة دول المحور وعلى رأسها ألمانيا تتطلب تعاوناً واسعاً
برز خلال هذه الفترة التعاون الوثيق بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ولم يكن التعاون عسكرياً فقط بل امتد إلى التخطيط السياسي والاستراتيجي لمستقبل العالم بعد انتهاء الحرب
وقد ساهم التنسيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا في وضع الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد عام 1945 ومن أبرز الأمثلة على ذلك التعاون في إنشاء المؤسسات الدولية الجديدة وفي مقدمتها الأمم المتحدة إلى جانب إعادة بناء الاقتصاد العالمي ووضع ترتيبات أمنية جديدة
وهكذا انتقلت العلاقة من مجرد تعاون بين دولتين تجمعهما روابط تاريخية إلى شراكة استراتيجية ذات تأثير عالمي و بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر تحدى جديد تمثل في صعود الاتحاد السوفيتي وبداية الحرب الباردة وفي هذه البيئة الدولية أصبحت الولايات المتحدة وبريطانيا من أهم القوى التي واجهت التوسع السوفيتي حيث وجد البلدان أن مصالحهما الأمنية متقاربة بصورة كبيرة فدعما إنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 وأصبح التعاون العسكري بينهما جزءاً أساسيا من منظومة الأمن الغربي كما تطور التعاون الاستخباراتي بصورة غير مسبوقة فقد أقامت الدولتان شراكة عميقة في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية والتي أصبحت لاحقاً جزءاً من منظومة Five Eyes التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا
وأصبحت المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري عنصرين أساسيين في العلاقة خصوصاً في مواجهة الاتحاد السوفيتي والحركات المرتبطة به خلال الحرب الباردة ثم جاء التعاون العسكري والأمني حيث مثل التعاون الدفاعي أحد أهم أعمدة التحالف الأمريكي البريطاني فالقوات المسلحة في البلدين تتعاون في التدريبات والعمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي كما أن هناك تاريخاً طويلاً من التعاون في مجال التكنولوجيا العسكرية
وشارك البلدان في عدد من العمليات والحروب الكبرى خلال العقود الماضية من الحرب الكورية إلى عمليات ما بعد هجمات 11 سبتمبر بما في ذلك التدخل العسكري في أفغانستان والعراق
ومع ذلك فإن التحالف لا يعني التطابق الكامل في المواقف فقد شهد التاريخ اختلافات مهمة بين واشنطن ولندن حول عدد من القضايا ومن أبرز الأمثلة أزمة السويس عام 1956 عندما عارضت الولايات المتحدة العملية البريطانية الفرنسية الإسرائيلية ضد مصر وهذا يوضح حقيقة مهمة التحالف القوي لا يلغي المصالح الوطنية المستقلة لكل دولة و إذا كان التعاون العسكري هو الجانب الأكثر وضوحاً في التحالف فإن التعاون الاستخباراتي يمثل أحد أكثر جوانبه عمقاً وأقلها ظهوراً للرأي العام حيث تشارك الولايات المتحدة وبريطانيا في تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب والأمن القومي والتهديدات العسكرية والأمن السيبراني وغيرها من الملفات الاستراتيجية وقد أسهمت هذه الشراكة في بناء قدرات استخباراتية متقدمة وأصبحت بريطانيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة شريكاً رئيسياً في جمع وتحليل المعلومات كما تستفيد بريطانيا
من القدرات التقنية والاستخباراتية الأمريكية الضخمة ويُعد هذا المستوى من الثقة والتعاون من أهم الأسباب التي تجعل العلاقة بين البلدين مختلفة عن كثير من التحالفات الدولية الأخرى
كما احتل التعاون النووي مكانة خاصة في العلاقات الأمريكية البريطانية فمنذ بدايات العصر النووي تعاون البلدان في تطوير القدرات النووية وفي مجالات التكنولوجيا والدفاع الاستراتيجي
ولا يرتبط هذا التعاون بالأسلحة فقط بل شمل أيضاً تبادل الخبرات والمعلومات في المجالات النووية ذات الصلة بالأمن والدفاع وقد ساعد هذا التعاون بريطانيا على الحفاظ على قوة نووية مستقلة مع استمرار ارتباطها الوثيق بالبنية الاستراتيجية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة ولم تقتصر العلاقة الخاصة على السياسة والأمن فالولايات المتحدة وبريطانيا تربطهما علاقات اقتصادية واستثمارية ضخمة
وتُعد الأسواق الأمريكية والبريطانية من أهم الأسواق بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين في البلدين كما توجد روابط قوية في قطاعات المال والمصارف والتكنولوجيا والطيران والطاقة والصناعات الدفاعية وتُعتبر لندن ونيويورك من أهم المراكز المالية العالمية وهو ما يجعل استقرار العلاقات الاقتصادية بين البلدين ذا أهمية تتجاوز حدودهما الوطنية كما أن الشركات الأمريكية والبريطانية تعمل على نطاق واسع في أسواق بعضها البعض الأمر الذي خلق شبكة اقتصادية لدعم استمرار العلاقات السياسية والاستراتيجية ومن أهم عناصر العلاقة الأمريكية البريطانية وجود لغة مشتركة وتاريخ ثقافي متقارب فاللغة الإنجليزية تشكل أداة اتصال عالمية كما أن الأدب والإعلام والتعليم والجامعات والفنون والسينما تربط المجتمعين الأمريكي والبريطاني بصورة مستمرة وقد ساهمت هذه الروابط في بناء نوع من التفاهم الاجتماعي والثقافي الذي يدعم التعاون السياسي ومع ذلك فإن التشابه الثقافي لا يعني التطابق فلكل دولة هويتها السياسية والاجتماعية ومصالحها الخاصة
ورغم ذلك كان من الممكن ان يفقد التحالف الامريكى البريطاني جزءاً كبيراً من أهميته عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 لأن العدو المشترك الذي ساعد على تأسيسه لم يعد موجوداً لكن العلاقة استطاعت التكيف مع البيئة الدولية الجديدة حيث ظهرت تحديات جديدة مثل الإرهاب الدولي وانتشار أسلحة الدمار الشامل والحروب الإقليمية والأمن السيبراني والمنافسة بين القوى الكبرى وبالتالي انتقل التحالف من التركيز على مواجهة الاتحاد السوفيتي إلى التعامل مع مجموعة أكثر تعقيداً من التهديدات والمصالح العالمية وفي القرن الحادي والعشرين استمرت العلاقة الخاصة بين البلدين لكنها أصبحت أكثر تعقيداً فالعالم لم يعد ثنائي القطبية كما كان خلال الحرب الباردة وأصبحت الولايات المتحدة تتعامل مع صعود الصين وعودة روسيا إلى المنافسة الجيوسياسية إلى جانب التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الجديدة وفي هذا السياق تظل بريطانيا شريكاً مهماً للولايات المتحدة داخل أوروبا وفي المحيط الأطلسي كما تلعب دوراً في ملفات الأمن الأوروبي والدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات وفي الوقت نفسه لا تتفق الدولتان دائماً على كل قضية فقد تظهر اختلافات في السياسات التجارية أو تجاه بعض الأزمات الدولية أو في كيفية التعامل مع بعض القوى العالمية وهذا يؤكد أن العلاقة الخاصة ليست تحالفاً قائماً على التبعية وإنما شراكة استراتيجية تقوم على تقاطع المصالح مع احتفاظ كل دولة باستقلال قرارها السياسي
فا بالتالى من الخطأ النظر إلى التحالف باعتباره علاقة متساوية تماماً من حيث القوة فالولايات المتحدة تمتلك اقتصاداً وقوة عسكرية وقدرات تكنولوجية أكبر بكثير من بريطانيا لكن القوة لا تُقاس بالحجم وحده فبريطانيا تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية متقدمة ومقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وقدرات نووية وشبكة واسعة من العلاقات الدولية لذلك يمكن وصف العلاقة بأنها غير متكافئة في حجم القوة لكنها عميقة في مستوى التعاون والثقة الاستراتيجية وهذه نقطة مهمة لفهم طبيعة التحالف بريطانيا ليست مجرد تابع للولايات المتحدة والولايات المتحدة لا تعتمد على بريطانيا في كل الملفات وإنما يرى كل طرف أن التعاون مع الآخر يحقق مصالح استراتيجية لا يستطيع تحقيقها بالسهولة نفسها منفرداً باختصار العلاقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا ليست مجرد تحالف مصالح بل هي شراكة استراتيجية تقوم على تاريخ طويل وثقة متبادلة ورغم ما يطرأ من تباينات تظل من أقوى الروابط بين دولتين في العالم المعاصر ورغم ظهور تباينات محدودة أحياناً في بعض الملفات تبقى المصالح الكبرى والقيم المشتركة عامل الربط الأقوى ليظل هذا التحالف بمثابة محور ثقل في ميزان القوى العالمي وضمانة لاستمرار النفوذ الغربي في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة يمكن القول إن الولايات المتحدة وبريطانيا بفضل هذه العلاقة الخاصة لا تتحركان فقط لحماية مصالحهما بل لصياغة معادلات القوة في القرن الحادي والعشرين كما أن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا ليس تحالفاً عادياً بل هو عمود فقري للنظام الدولي منذ منتصف القرن العشرين ورمز لما يُعرف في السياسة العالمية بالعلاقة الخاصة التي جمعت بين قوتين صنعتا ولا تزالان تصنعان ملامح العالم ورغم وجود لحظات اختلاف تكتيكي فإن التحالف الأمريكي البريطاني يظل ثابتاً في جوهره قائماً على مزيج من التاريخ والمصالح والقيم المشتركة مما يجعله أحد أكثر التحالفات تأثيراً في صياغة موازين القوى وضمانة لاستمرار النفوذ الغربي لأننا في عالم يتغير بسرعة فهذا ليس مجرد تحالف بين دولتين بل محور قوة عالمي يحدد اتجاه الرياح في السياسة الدولية