القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامي خالد مصطفى يكتب : كلنا ضد الفساد

ليست مأساة الأوطان في وجود الفساد فحسب بل في اللحظة التي يصبح فيها كشف الفساد جريمة بينما يظل الفاسد بمنأى عن الحساب هناك يبدأ ميزان العدالة في الاختلال وتبدأ ثقة الناس في القانون بالتآكل ليس لأن النصوص القانونية غابت بل لأن تطبيقها أصبح انتقائياً فالعدالة ليست فقط بأن تمتلئ رفوف المكتبات بالقوانين ولا أن تُكتب النصوص بأفخم العبارات ولا أن تتزين قاعات المحاكم بشعارات الإنصاف العدالة الحقيقية تبدأ حين يشعر الإنسان أن الحق لا يخشى النفوذ فالقانون لا يميز بين اسم كبير وآخر مجهول ولا بين صاحب سلطة وصاحب حق عندما يُعاقب من يدافع عن المال العام ويُضيق على من يرفض الصمت بينما يجد أصحاب النفوذ والفاسدين أبواباً مفتوحة للهروب من المساءلة فإن القضية لم تعد قضية فرد أو واقعة عابرة بل أصبحت أزمة ضمير ومؤسسات فالعدالة لا تُقاس بعدد القوانين وإنما بقدرتها على حماية الحق وإنصاف المظلوم ومحاسبة المسيء أياً كان موقعه أو نفوذه لكن للأسف أكثر اللحظات قسوة هي تلك التي ينقلب فيها المشهد فيصبح من يرفع الستار عن الفساد هو المتهم بينما يتحول الفساد نفسه إلى ضيف يجد من يدافع عنه أو يبرره أو يؤخر مساءلته من الأجهزة المسلوبة الضمير فعندها لا يخسر فرد واحد بل يخسر المجتمع جزءاً من إيمانه بأن الحقيقة تستحق أن تُقال لإن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع هو أن يشعر المواطن بأن الحقيقة عبء وأن الصمت أكثر أماناً من قولها حينها يتراجع الشرفاء خطوة بعد أخرى ويتقدم الفاسدون بثقة لأنهم يدركون أن الخوف أصبح حليفهم وأن من يكشف أفعالهم قد يدفع الثمن وحده فما قيمة الشجاعة إذا كان ثمنها العقاب وما قيمة الأمانة إذا كانت تقود صاحبها إلى العزلة أو الملاحقة وما معنى المواطنة إذا أصبح الدفاع عن المال العام مخاطرة بينما الصمت طريق أكثر أمناً لإن أخطر أنواع الظلم ليس ذلك الذي يُمارس في الخفاء بل ذلك الذي يرتدي ثوب القانون فيُربك العقول ويزرع الشك في القلوب فالقانون خُلق ليكون حصناً للحقوق لا عبئاً على أصحابها ولينتصر للعدل لا ليمنح الظلم مظهراً من الشرعية وليس الفساد مجرد سرقة للمال أو استيلاء على الممتلكات والأراضى بل هو سرقة للأمل وإهدار لثقة الناس وتدمير لقيمة العدالة في النفوس فالمال يمكن تعويضه أما إذا فقد المجتمع ثقته في أن القانون يحميه ويمنحه حقه فإن الخسارة تصبح أكبر من أي أرقام أو ممتلكات أو أراضى والفساد لا يبدأ بسرقة أرض أو مال بل يبدأ عندما يقتنع الناس أن الحقيقة لا تحمي صاحبها وأن النفوذ قادر على إبطاء العدالة أو تعطيلها فحينها يصبح الصمت ثقافة والخوف منهجاً وتتراجع الأصوات الصادقة لأنها ترى الثمن قبل أن ترى الأمل ومع ذلك، فإن التاريخ لم يُكتب يوماً بأقلام الفاسدين والمنتفعين وحدهم بل كتبه أيضاً أولئك الذين تمسكوا بالحق رغم قسوته ودفعوا أثماناً باهظة لأنهم آمنوا بأن الأوطان لا تُصان بالمجاملات وإنما بالمواقف قد يُساء فهمهم وقد تُشوه صورهم وقد يطول انتظار الإنصاف لكن الزمن كثيراً ما يعيد ترتيب الروايات ويكشف الفرق بين من دافع عن مصلحة عامة ومن دافع عن مصلحة خاصة فالقانون لا ينبغي أن يكون أعمى عن الحقيقة ولا أعمى عن الأسماء والمناصب والنفوذ فلا يفرق بين غني وفقير ولا بين مسؤول ومواطن ولا بين صاحب سلطة وصاحب حق وإذا فقد القانون هذه المساواة تحول من حصن للعدالة إلى أداة تثير الشكوك وتعمق الإحساس بالظلم لإن قوة الدولة لا تُقاس بعدد مؤسساتها بل بثقة مواطنيها في أن العدالة لا تُشترى ولا تُؤجل لصالح الأقوى ولا تُطبق بصرامة على الضعيف وتلين أمام صاحب النفوذ فحين يصبح القانون ميزاناً واحداً للجميع يطمئن المظلوم ويرتدع الظالم ويستقيم المجتمع فالأمم لا تنهض بالشعارات بل بسيادة القانون على الجميع دون استثناء ولا تُبنى الثقة بإسكات الأصوات بل بحماية من يبلغ عن الفساد وتشجيع كل من يسهم في صون المال العام ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفق قضاء عادل ومستقل
فقد تتأخر العدالة أحياناً وقد يعلو صوت الباطل زمناً وقد تبدو الحقيقة وحيدة في بعض الأيام لكن الحقيقة لا تستمد قوتها من كثرة مؤيديها بل من ثباتها أما الباطل فمهما اكتسب من نفوذ أو حماية يبقى هشاً لأنه قائم على ما لا يدوم وقد يربح الظلم جولة لكن الجولات لم تنتهى بعد وقد يطول انتظار العدالة لكن التاريخ يشهد أن الحق
لا يموت وأن الحقيقة مهما حوربت تظل قادرة على الظهور فالعدالة قد تتعثر لكنها لا تفقد قيمتها والقانون لا يستعيد هيبته إلا عندما يصبح ميزانه واحداً للجميع لا يميل بقوة النفوذ ولا ينحني أمام المصالح ولا يعاقب إلا من تثبت مسؤوليته ويحمي كل من سعى إلى نصرة الحق ولذلك فإن الأمم لا تحتاج إلى قوانين أكثر بقدر حاجتها إلى عدالة أكثر تحتاج إلى قضاة لا يهابون إلا ضمائرهم وإلى مؤسسات ترى في حماية المبلغ عن الفساد حمايةً للوطن لا تهديداً له وإلى مجتمع يدرك أن السكوت عن الظلم لا يصنع استقراراً بل يؤجل الانفجار وسيبقى الحق حقاً
ولو ضاقت به السبل وسيبقى الظلم ظلماً
ولو أحاط نفسه بكل مظاهر القوة وستبقى قيمة الإنسان فيما دافع عنه لا فيما امتلكه من نفوذ
أو سلطان فالدول لا يحميها الصمت ولا يبنيها الخوف وإنما يحميها قانون عادل وقضاء نزيه ومواطن يؤمن بأن قول الحقيقة واجب وأن الدفاع عن الوطن ليس جريمة بل شرف لا ينبغي أن يكون ثمنه الحرمان أو العقاب فإذا كان القانون هو روح الدولة فإن العدالة هي روح القانون وإذا غابت العدالة بقيت النصوص حبراً على ورق وبقيت الأوطان تنتظر اليوم الذي لا يُسأل فيه صاحب الضمير لماذا تكلمت بل يُسأل كل من اعتدى على الحق لماذا فعلت وإغتلت الحقيقة ونصرت فاسداً سيقع يوماً بفساده أمام عينك وفى تلك اللحظة ستظهر عارياً أمام نفسك فى المرآة

اترك رد