القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الاعلامى خالد مصطفى يكتب : حين يختزل الكرم فى صفقة رخيصة تتحول المبادرة الإجتماعية إلى ” إتفاقية الكرسى “

في الظاهر تبدو مبادرات تجهيز العرائس عملاً إنسانياً خالصاً يلامس احتياجات حقيقية لفئات غير قادرة ويمنح مئات الفتيات فرصة لبدء حياة جديدة بكرامة لكن حين ندقق النظر في بعض هذه المبادرات خاصة تلك المرتبطة بإتفاقيات موثقة بين أحد النواب وأحد أحزاب الهرم السياسى فى مصر من أجل تجهيز 1000 عروسة على مدار خمس سنوات بضمان حصول صاحب المبادرة على كرسى بمجلس النواب فيما يسمى (بإتفاقية الكرسى) فتكتشف الصورة وتظهر أكثر تعقيداً وتتحول من مجرد فعل الخير إلى خطوة لضمان مكان لصاحب المبادرة بمجلس النواب فالمشكلة الحقيقية كل مرة يُعلن فيها عن تجهيز العرائس يتصدر المشهد خطاب دافئ عن التكافل والستر وبداية حياة جديدة فنرى صور الأجهزة اللامعة والقوائم الطويلة والابتسامات الملتقطة بعناية كلها عناصر قصة تبدو مكتملة الأركان لكنها خادعة فنجد خلف هذا الاكتمال الظاهري يظل سؤال مزعج يطرق الباب من المستفيد الحقيقي من هذه الحكاية فتتحول الأرقام من دلالة على التكافل إلى مؤشر على شيء آخر وهو تنظيم محكوم وصفقة واضحة المعالم وأدوار موزعة بعناية فهنا لم يعد الأمر مبادرة عفوية
أو استجابة مجتمعية تلقائية بل يبدو أقرب إلى مشروع له أهداف سياسية خبيثة تتجاوز البعد الإنساني ليس في مساعدة الناس ما يُدان بل العكس هو من أسمى ما يمكن أن يقدمه مجتمع لنفسه لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المساعدة إلى عرض والاحتياج إلى مادة قابلة للتسويق والإنسان إلى رقم في بيان حين تُدار المبادرة بمنطق (الاتفاق) وتُقاس
ب 1000 عروسة حينها يتغير المعنى ولا يعود الفعل مجرد استجابة لاحتياج بل يدخل في حسابات أوسع حيث تختلط النوايا الإنسانية بالأهداف السياسية الغير معلنة فالمشكلة لا تكمن في تقديم المساعدة بحد ذاته فهذا أمر محمود لا خلاف عليه بل في السياق الذي تُقدم فيه عندما ترتبط المساعدة باسم حزب
ولا يعلم الناس ان هذه الإحتفالية (مجرد صفقة)
أو يستخدمها الحزب كوسيلة لتعزيز حضوره
أو تحسين صورته فإنه يفقد بذلك جزءاً كبيراً من نقائه وتتحول المبادرة من فعل تضامن إلى أداة نفوذ ومن دعم للمحتاجين إلى وسيلة لكسب الرضا العام الأخطر من ذلك أن هذا النمط يتسبب فى تشويه العلاقة بين المواطن والدولة بدلًا من أن تكون الحقوق الاجتماعية جزءًا من منظومة عدالة مستدامة تصبح (هبات) من أشخاص أتيحت لهم الفرصة لأن يكونوا نجوماً فى المجتمع لأن صفقة ال 1000 عروسة تخدم فقط خطاباً إعلامياً مزيفاً أكثر مما تخدم الواقع الاجتماعي فالأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الحالات فقط بل بمدى استدامة الحلول وشفافية التنفيذ واستقلالية العمل الخيري عن الحسابات السياسية الرخيصة فالقضية ليست في أن نرفض الخير بل في أن نطالب بخير لا يُستخدم سياسياً وأن يكون العطاء مستقلاً عن الحسابات والصفقات المشبوهة وأن تكون المساعدات امتداداً لسياسات عادلة لا بديلاً عنها فالمجتمع الذي يُقاس عطاؤه بعدد العرائس المُجهزات بطرق ملغمة هو مجتمع لم يُحل مشكلته بعد بل أعاد صياغتها في صورة أكثر قابلية للعرض رغم ذلك لا يمكن إنكار أن هناك مستفيدين حقيقيين وأن هذه المبادرات تُحدث فرقاً ملموساً في حياة البعض لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن نغض الطرف عن توظيفها كأدوات ضمن لعبة أكبر فالتحدي الحقيقي ليس في إيقاف هذه المبادرات بل في تحريرها من أي شبهة استغلال وجعلها جزءاً من منظومة عدالة اجتماعية حقيقية لا مجرد مقايضة سياسية مغلفة بغطاء إنساني مفضوح فالمجتمع
لا يحتاج فقط إلى من يجهز العرائس بل إلى من يجهز بيئة عادلة لا تحتاج فيها الفتيات إلى انتظار مبادرة
كي يبدأن حياتهن لا يكفي أن نُجهّز العرائس الأهم أن نُجهّز واقعاً لا تحتاج فيه العروس إلى من يُجهزها أصلاً بل تحتاج إلى واقعاً تكون فيه البداية حقيقية لا منحة ضمن صفقة تسمى (باتفاقية الكرسى) فالحياة مشروعاً إنسانياً لا بنداً في اتفاق سياسى تم إبرامه فى الغرف المغلقة

اترك رد