القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الاعلامى خالد مصطفى يكتب : معركة القادسية وتأثيرها الممتد على علاقة العرب والفرس

تمر القرون وتبقى بعض الأحداث التاريخية حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعوب ومن بين هذه الأحداث معركة القادسية التي وقعت في القرن السابع الميلادي والتي تُعد واحدة من أبرز المعارك التي غيرت موازين القوى في المنطقة آنذاك لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل
ما زالت تلك المعركة التي وقعت قبل نحو أربعة عشر قرناً تؤثر في العلاقات بين العرب والفرس في عصرنا الحديث حيث مازال التاريخ يختزل في ذاكرة الشعوب بمحطات كبرى تتحول مع مرور الزمن إلى رموز ومعانى تتجاوز حدود الحدث نفسه على الرغم أنها كانت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة غير أن حضور هذا الحدث في الخطاب المعاصر يثير تساؤلاً عميقاً هل يمكن لمعركة تؤدى إلى كره الفرس للعرب حتى اليوم هل لكونها كانت مواجهة حاسمة بين جيش الخلافة الراشدة بقيادة الصحابي سعد إبن أبى وقاص وجيش الإمبراطورية الساسانية بقيادة القائد الفارسي رستم فاروخازاد حيث انتهت المعركة بانتصار المسلمين وفتحت الطريق أمام سقوط نفوذ الساسانيين في العراق لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة في المنطقة وقعت القادسية في لحظة تاريخية كانت فيها المنطقة تشهد صراعاً بين قوتين كبيرتين الدولة الإسلامية الناشئة والإمبراطورية الفارسية فلم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل كانت بداية لتحول حضاري وسياسي كبير إذ فتحت الطريق أمام انهيار الإمبرطورية الفارسية في العراق وفتحت الطريق لتمدد العالم الإسلامي نحو الشرق غير أن قراءة هذا الحدث بمعايير الصراع القومي الحديث قد تكون قراءة دقيقة ففي ذلك العصر لم تكن مفاهيم القومية بالشكل المعروف اليوم بل كانت الصراعات تدور بين دول وإمبراطوريات ذات مصالح سياسية وعسكرية ومع مرور الزمن أصبح الفرس جزءاً مهماً من الحضارة الإسلامية وأسهموا إسهامات عظيمة في العلوم والآداب والفلسفة والفقه بل إن أسماء فارسية كثيرة أصبحت من أعلام الحضارة الإسلامية غير أن التاريخ في عمقه الحقيقي لا يُقرأ فقط من خلال لحظة الصراع بل أيضاً من خلال ما تلاها من تفاعل وتلاقى فبعد القادسية لم ينشأ جدار دائم بين العرب والفرس بل على العكس تشكلت واحدة من أكثر التجارب الحضارية ثراء في التاريخ الإسلامي فقد كان للفرس دور بارز في ازدهار العلوم والآداب والفلسفة والإدارة في الدولة الإسلامية وأسهموا في بناء حضارة امتدت من آسيا إلى الأندلس لكن فى العصر الحديث ظهرت التوترات بين إيران وعدد من الدول العربية نتيجة عوامل سياسية وجيو سياسية معقدة فالصراع في المنطقة يرتبط بمسائل النفوذ الإقليمي والتحالفات الدولية والتنافس على مراكز القوة في الشرق الأوسط إضافة إلى التباينات المذهبية والسياسية كما أن علاقة إيران المتوترة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تضيف طبقات أخرى من التعقيد إلى المشهد السياسي في المنطقة بالإضافة لتوتر العلاقات بين إيران وعدد من الدول العربية حيث تمر أحيانًا بحالات من التوتر والتنافس ويرتبط ذلك بمجموعة من العوامل السياسية والاستراتيجية المعاصرة مثل الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط والتوازنات الإقليمية والتحالفات الدولية فضلاً عن الخلافات المرتبطة ببعض ملفات المنطقة كما أن علاقة إيران المتوترة مع الولايات المتحدة أضافت بُعداً آخر إلى تعقيدات المشهد السياسي لكن من المهم التمييز بين سياسات الدول وبين طبيعة العلاقات بين الشعوب فالتاريخ يشهد على قرون طويلة من التبادل الثقافي والتجاري والعلمي بين العرب والفرس ولم يكن هذا التاريخ مجرد صراع دائم بل كان أيضاً تاريخاً من التفاعل والتأثير المتبادل ومع ذلك فإن اختزال هذا الواقع المركب في فكرة عداء تاريخي أبدى بين العرب والفرس يظل تبسيطاً مخلاً للتاريخ فالعلاقات بين الشعوب
لا تسير في خط مستقيم من الصراع بل تتقلب بين التنافس والتعاون بين التوتر والتقارب وفقاً للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية لكل عصر إن استحضار معارك الماضي في تفسير صراعات الحاضر قد يكون أحياناً أداة خطابية في السياسة أو الإعلام لكنه لا يكفي لفهم الواقع بكل أبعاده فالعالم اليوم تحكمه حسابات مختلفة مصالح اقتصادية توازنات عسكرية تحالفات دولية وصراعات على النفوذ لقد علمتنا التجربة التاريخية أن الحضارات لا تُبنى بالصراعات وحدها بل بالتفاعل والتبادل والتأثير المتبادل وبين العرب والفرس تاريخ طويل من هذا التفاعل يمتد في اللغة والأدب والعلم والتجارة والثقافة ولذلك فإن قراءة الحاضر بعيون الماضي فقط قد تحجب عنا فهم الواقع بكل تعقيداته رغم كل ذلك تبقى معركة القادسية حدثاً تاريخياً مهماً لكنها لا يمكن أن تختزل تاريخ العلاقة بين العرب والفرس ولا أن تكون المفتاح الوحيد لفهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط فالتاريخ أكثر تعقيداً من أن يُختصر في معركة واحدة والسياسة المعاصرة أكثر تشابكاً من أن تُفسَّر بذكرى الماضى الأليم فالقادسية علامة فارقة في التاريخ لكنها ليست القصة الكاملة لأن التاريخ أوسع من معركة ومستقبل المنطقة لا يُصاغ بالاستدعاء الدائم لصراعات الأمس بل بفهم دروسها وبناء مسارات جديدة للتعايش والتوازن وهكذا يظل السؤال الحقيقي ليس ماذا حدث في القادسية بل كيف يمكن لشعوب المنطقة أن تتعلم من التاريخ دون ان تبقى أسيرة له

اترك رد