القنال نيوز - صحيفة الكترونية ورقية أخبارية يومية شاملة

الإعلامى خالد مصطفى يكتب : الفئران تحاصر بريطانيا

ليست كل الأزمات التي تواجه الدول قادمة من الحروب
أو الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية فبعضها يخرج من بالوعات الصرف الصحي ويتسلل عبر شقوق المباني القديمة ويجد طريقه إلى المطاعم والمخازن والمنازل هناك في قلب المدن البريطانية تبرز مشكلة تبدو صغيرة في حجمها لكنها ثقيلة في تكلفتها وآثارها الصحية والاقتصادية انتشار حوالى ٨٠ مليون فأر فى مختلف المدن البريطانية ذلك العدو الذي يستفيد من أخطاء البشر قبل أن يستفيد من قدرته على التكاثر فهذه مفارقة تستحق التأمل دولة تُعد من أعرق دول العالم وعاصمة تنافس كبريات مدن الأرض ومؤسسات تمتلك من الخبرة والإمكانات الكثير ومع ذلك تجد نفسها في مواجهة عدو صغير الحجم سريع التكاثر
لا يحمل سلاحاً ولا يرفع راية لكنه يعرف جيداً كيف يستغل أخطاء البشر إنها معركة بريطانيا الكبرى مع الفئران معركة لا تدور على الحدود ولا تحتاج إلى دبابات أو طائرات وإنما تبدأ من كيس قمامة تُرك في الشارع أو مطعم لم يُحكم إغلاق مخلفاته أو فتحة في شبكة صرف صحي أو مبنى قديم يوفر للقوارض مأوى آمناً بعيداً عن أعين الرقابة تخيل أن تتحول شوارع مدينة كبرى مثل لندن إلى ساحة مواجهة يومية مع القوارض وأن تصبح أكياس القمامة ومخلفات المطاعم وممرات الصرف الصحي مصادر دائمة للغذاء والمأوى فالمشكلة ليست مجرد فئران تظهر في الشوارع أو تختبئ داخل المنازل بل منظومة كاملة من الظروف التي تساعدها على الانتشار من النفايات المتراكمة إلى المباني القديمة ومن كثافة الأنشطة الغذائية إلى شبكات الصرف الممتدة تحت الأرض حيث تحتضن لندن آلاف المطاعم والمتاجر الغذائية وشبكات الصرف الصحي الممتدة تحت شوارعها ومبانيها التاريخية بيئة يمكن أن تجد فيها الفئران ما تحتاج إليه من غذاء ومأوى ومسارات للحركة وتزداد المشكلة تعقيداً مع كثافة السكان والأنشطة التجارية وتراكم النفايات في بعض المناطق وصعوبة الوصول إلى البؤر التي تختبئ فيها القوارض وتتردد تقديرات إعلامية بأن أعداد الفئران في المملكة المتحدة تفوق عدد سكانها خاصة فى العاصمة إذا لندن مدينة تمنح الفئران كل ما تحتاج إليه فالشئ اللافت للنظر ان بريطانيا بما تملكه من مؤسسات وموارد وخبرات في الإدارة الحضرية تواجه مشكلة تتجاوز مجرد مكافحة القوارض. فقد أشارت بيانات طلبات مكافحة الفئران في المجالس المحلية إلى تسجيل أكثر من 518 ألف بلاغ عن إصابات بالقوارض
في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2025 وكانت لندن صاحبة النصيب الأكبر من البلاغات وفق تحليل نشرته مجلة The Week والأخطر أن الفئران
لا تحتاج إلى دعوة كي تدخل المنازل يكفي أن تجد بقايا طعام أو حاوية قمامة مفتوحة أو فتحة صغيرة في جدار أو مصرفاً معيباً لإنها كائنات تتكيف بسرعة وتستفيد من كل ثغرة في منظومة النظافة والصيانة وتحول المشكلة إلى عبء اقتصادي حقيقي فالقوارض تستطيع تلويث الأغذية ونقل مسببات الأمراض وإتلاف الأسلاك والأنابيب ومكونات المباني وهكذا لا يدفع المواطن ثمن انتشارها بالخوف والانزعاج فحسب بل قد يدفع أيضاً تكاليف الإصلاح والمكافحة والخسائر التجارية فهل تكفي الغرامات لإعلان الانتصار على الفئران حيث اتجهت السلطات البريطانية إلى تشديد العقوبات على مخالفات التخلص من النفايات لكن الغرامة وحدها لا تصنع مدينة نظيفة فالتجربة العملية تفرض مواجهة المشكلة من جذورها جمع منتظم للقمامة وحاويات محكمة الإغلاق ورقابة على المطاعم والمخازن وصيانة لشبكات الصرف وسد المنافذ التي تتسلل منها القوارض إلى المنازل كما أن تحميل المواطنين المسؤولية يجب أن يقابله التزام واضح من السلطات بتوفير خدمات جمع النفايات والصيانة والاستجابة السريعة للبلاغات فلا يجوز مطالبة الناس بالنظافة ثم ترك القمامة تتراكم أمام أبوابه لأن الحل ليس في مطاردة الفئران فقط بل في حرمانها من أسباب البقاء فإذا أرادت بريطانيا تقليص انتشار القوارض فعليها أن تتبنى استراتيجية متكاملة تقوم على خمسة محاور
النظافة المستمرة : لمنع تراكم القمامة ومخلفات الطعام خصوصاً حول الأسواق والمطاعم
الصرف الصحي : فحص الشبكات القديمة وإصلاح التسربات والفتحات التي تسمح للقوارض بالانتقال بين الشوارع والمباني
الرقابة الفعالة : فرض العقوبات على المخالفين مع محاسبة الجهات التي تتأخر في معالجة بؤر الإصابة
المكافحة العلمية : استخدام وسائل مكافحة آمنة ومدروسة ومراقبة النتائج بدل الاكتفاء بحملات مؤقتة
وأخيراً المشاركة المجتمعية : تشجيع السكان على الإبلاغ المبكر وتخزين الطعام بإحكام والتخلص السليم من النفايات حيث تكشف هذه الأزمة حقيقة قد تغيب وسط الحديث عن التكنولوجيا والتقدم الاقتصادي وهى ان قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروة ومؤسسات بل أيضاً بقدرتها على إدارة التفاصيل اليومية التي تمس حياة الناس فالمدينة الحديثة ليست مباني شاهقة وطرقاً واسعة ووسائل نقل متطورة فحسب إنها كذلك شارع نظيف وصرف صحي يعمل بكفاءة ومطعم يلتزم بالاشتراطات ومنزل آمن وبلدية تستجيب قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة فقد تبدو الفئران خصماً
لا يستحق كل هذا الاهتمام لكن قدرتها على التكاثر والاختباء تجعلها اختباراً حقيقياً لكفاءة إدارة المدن فهي تكشف الثغرات التي لا تظهر دائماً في التقارير الرسمية وتضع النظافة العامة والصحة والرقابة والصيانة أمام امتحان يومي فمن ينتصر في معركة بريطانيا الكبرى مع الفئران الفئران فالسؤال الحقيقي ليس كم فأراً تستطيع بريطانيا قتله بل كم مصدراً تستطيع إغلاقه أمام تكاثره وانتشاره فالفئران لا تنتصر لأنها أقوى من الإنسان بل لأنها تجد أحياناً بيئة تسمح لها بالبقاء والتكاثر وكلما تأخرت معالجة النفايات وتراكمت أعطال الصرف الصحي وتراجعت الرقابة اتسعت المشكلة وارتفعت فاتورتها قد تنجح بريطانيا في خفض أعداد الفئران لكن النجاح لن يتحقق بحملة موسمية
أو غرامة مالية وحدها بل بإدارة مستمرة للنظافة والصرف الصحي والمباني والرقابة أما الحكم على نجاح الخطة فلن يكون بعدد التصريحات أو حجم الغرامات وإنما بانخفاض البلاغات وتراجع الإصابات داخل المنازل والمتاجر واستمرار النتائج على المدى الطويل فلن يكون الانتصار الحقيقي في قتل آلاف الفئران اليوم ثم اكتشاف آلاف أخرى غداً بل في بناء بيئة لا تسمح لها بالانتشار من الأساس فالمعركة ليست بين الإنسان والفأر وحده بل بين الإدارة الفعالة والإهمال وبين الوقاية وانتظار الكارثة وبين مدينة تُدار بعقلية التخطيط ومدينة تدفع ثمن أخطائها المتراكمة فقد تنجح بريطانيا في تقليص أعداد القوارض إذا جمعت بين الرقابة والنظافة والصيانة والمكافحة العلمية لكن الطريق إلى النتيجة يحتاج إلى وقت واستمرارية ومحاسبة واضحة أما إذا اكتفت بالغرامات والحملات المؤقتة وتركت أسباب المشكلة قائمة فإنها تخاطر بأن تعود الأزمة من الأبواب نفسها التي دخلت منها أول مرة فلا تحتاج الفئران إلى السيطرة على لندن بل يكفيها أن تجد فيها ما يساعدها على البقاء والسؤال الذي سيحسم هذه المواجهة ليس كم فأراً تستطيع بريطانيا أن تقتل بل هل تستطيع أن تمنع المدينة من أن تكون المكان المثالي لتكاثره

 

اترك رد