الإعلامي فهمى الدراوي يكتب : ليس من واجب الصحفي أن يبني الطريق حين يختلط دور الإعلام بمسؤولية الدولة ـ « تضيع الحقيقة ويخسر المواطن »
في كل مرة يكتب فيها صحفي عن طريق ينهار، أو ترعة تتلوث، أو مستشفى يفتقر إلى أبسط الإمكانات، أو قرية تغرق في مياه الصرف الصحي، يخرج من يسأله: (وأين الحل؟) ثم يضيف بثقة: “إذا كنت لا تملك الحل، فلا تتحدث عن المشكلة.”
وهنا_يبرز_سؤال_أكثر_أهمية: هل أصبح المطلوب من الإعلام أن ينفذ المشروعات قبل أن يكتب عنها؟ وهل يتحول الصمت إلى فضيلة إذا عجز الصحفي عن إصدار قرار أو اعتماد ميزانية؟
لقد_سمعت_هذا_الرأي_كثيرًا_بعد_تناولي_لقضية_تلوث_ترعة_النوافعة_وغيرها_من_المشكلات_التي_تمس_حياة المواطنين. بعضهم قالها صراحة: (إما أن تقدم الحل، وإما أن تصمت.) وأدرك أن أصحاب هذا الرأي يحرصون على الوصول إلى حلول، لكنهم في الوقت نفسه يحمّلون الإعلام دورًا لم يُخلق من أجله.
فالصحفي ليس محافظًا، ولا وزيرًا، ولا رئيس مدينة، ولا رئيس هيئة تنفيذية. لا يملك إصدار قرار، ولا تخصيص أرض، ولا اعتماد ميزانية، ولا تنفيذ مشروع للصرف الصحي، ولا رصف طريق، ولا محاسبة مسؤول مقصر. هذه اختصاصات منحها القانون لمؤسسات الدولة، لأنها وحدها تملك السلطة والإمكانات وأدوات التنفيذ.
أما_الإعلام_فله_رسالة_مختلفة، لكنها لا تقل أهمية. رسالته أن ينقل الحقيقة كما هي، وأن يفتح الملفات التي يخشى البعض الاقتراب منها، وأن يحمل صوت المواطن إلى من يملكون القرار، وأن يضع معاناة الناس أمام الرأي العام حتى لا تبقى حبيسة الجدران.
ولو_اشترطنا_على_كل_صحفي_أن_يحمل_الحلول_التنفيذية_قبل_أن_يكتب، لصمتت الصحافة عن آلاف القضايا، ولما عرف الناس يومًا حجم الإهمال أو الفساد أو التقصير. ولما أصبحت الصحافة عبر تاريخها سلطة رقابية تراقب الأداء، وتكشف الخلل، وتدافع عن حق المواطن في المعرفة.
قد_يقترح_الإعلام_أفكارًا، وقد يفتح باب النقاش، وقد ينقل تجارب ناجحة من أماكن أخرى، لكن الاقتراح شيء، والتنفيذ شيء آخر.
فالقرار_لا_يصدر_من_صفحات_الجرائد، وإنما من المكاتب التي تملك الاختصاص، ومن المسؤول الذي أقسم على أداء واجبه.
حين أكتب عن ترعة تلوثت، أو طريق انهار بعد إنفاق ملايين الجنيهات على رصفه، أو مدرسة تعاني، أو مستشفى يحتاج إلى تطوير، فإنني لا أبحث عن بطولة، ولا أدّعي امتلاك حلول سحرية، وإنما أؤدي واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا يفرضه عليّ ضميري قبل مهنتي. فالمشكلة التي لا تُكشف، لا تجد من يسعى إلى حلها، والخلل الذي يُخفى، يتحول مع الوقت إلى أمر معتاد.
إن_أخطر_ما_يواجه_المجتمعات_ليس_كثرة_الأزمات_وإنما_الاعتياد_عليها. أن تصبح مياه الصرف في الترع مشهدًا طبيعيًا، وانهيار الطرق خبرًا عابرًا، وتراجع الخدمات أمرًا لا يستحق النقاش. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا تكون المشكلة في الطريق أو الترعة فقط، بل في غياب الصوت الذي يقول: هنا خلل… وهنا حق يجب أن يعود إلى أصحابه.
ولذلك_فإن_مطالبة_الإعلام_بالصمت لأنه لا يملك الحل ليست دعوة إلى الإصلاح، بل دعوة إلى إخفاء الحقيقة. والحقيقة لا تُعالج بالصمت، وإنما بالمواجهة، ولا تختفي بتجاهلها، وإنما تتفاقم حتى تصبح أزمة أكبر يدفع ثمنها المواطن البسيط.
ليس_مطلوبًا_من_الإعلام_أن_يحل_محل_الدولة_ولا_أن_يمارس_دور_السلطة_التنفيذية، وإنما أن يؤدي رسالته في كشف الحقائق ونقل صوت المواطن بأمانة وتجرد. فحين يصمت الإعلام خوفًا من سؤال: (أين الحل؟) يصبح المجتمع كله هو الخاسر، أما حين تُقال الحقيقة، فإن أول أبواب الإصلاح يكون قد فُتح.
فالكلمة_الصادقة_ليست_قرارًا_تنفيذيًا، لكنها قد تكون بداية كل قرار صحيح، والصحافة ليست سلطة تبني الطرق أو تنشئ شبكات الصرف الصحي، لكنها ستظل الضمير الذي يرفض أن يرى معاناة الناس ثم يختار الصمت.