مجدي الجندي يكتب : الشباك الواحد.. احترام المواطن يبدأ من هنا
إذا أردت أن تستخرج ترخيصًا، أو تنهي إجراءً حكوميًا، فاستعد لرحلة قد تمتد أيامًا وربما شهورًا. ستنتقل من مكتب إلى آخر، وتصعد إلى الدور الرابع للحصول على توقيع، ثم تعود إلى الدور الأرضي لختم، ثم تكتشف أن ورقة واحدة ناقصة، أو أن الموظف المختص غير موجود، أو أن عليك العودة في اليوم التالي. وبين هذا وذاك، يضيع الوقت والجهد والمال، بينما يتساءل المواطن: لماذا كل هذه الدائرة الطويلة؟
المشكلة ليست في وجود جهات رقابية أو إدارية متعددة، فلكل جهة دورها واختصاصها الذي نحترمه. لكن المشكلة الحقيقية أن المواطن أصبح هو حلقة الوصل بين هذه الجهات، يحمل الملفات من مكتب إلى آخر، ويتحمل مشقة الانتقال وتكاليف المواصلات، ويهدر ساعات طويلة في الانتظار، وقد يجد الخدمة متوقفة أو الموظف غير موجود أو العمل مؤجلًا لأسباب لا علاقة لها بمصلحة المواطنين.
ومن هنا تبرز واحدة من أنجح الأفكار التي طبقتها الدولة، وهي نظام الشباك الواحد في الهيئة العامة للاستثمار. هناك يجد المستثمر معظم الجهات التي يحتاج إليها في مكان واحد؛ السجل التجاري، والضرائب، والهيئة العامة للتنمية الصناعية، وخدمات التصدير والاستيراد، والشهر العقاري، والبريد، وغيرها. الفكرة ليست مجرد جمع مكاتب داخل مبنى واحد، وإنما تقديم خدمة متكاملة تحترم وقت الإنسان وتختصر الإجراءات.
لماذا لا يكون هناك شباك واحد لتراخيص المحال، وآخر للمطاعم والكافيهات، وثالث للأنشطة التجارية المختلفة، بحيث تتولى الجهات المختصة التنسيق فيما بينها، بينما يكتفي المواطن بتقديم أوراقه مرة واحدة، ويتسلم خدمته في موعد محدد؟
إن تعميم هذا النموذج لن يختصر فقط مدة الإجراءات، بل سيوفر على المواطنين الجهد والتعب وتكاليف المواصلات، ويقلل من الزحام داخل المصالح الحكومية، ويرفع كفاءة العمل، ويمنح الموظف نفسه بيئة أكثر تنظيمًا وإنتاجية.
نحن لا نطالب بإلغاء الهيئات أو دمج الوزارات، فلكل جهة اختصاصها، لكننا نطالب بأن تعمل هذه الجهات بروح الفريق الواحد، وأن تكون خدمة المواطن هي الهدف الأول. فكل دقيقة نوفرها على الناس هي مكسب للدولة قبل أن تكون مكسبًا للمواطن.
إن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على إنشاء الطرق والكباري والمدن الذكية، بل يمتد أيضًا إلى بناء جهاز إداري حديث يحترم وقت الناس، وييسر حياتهم، ويجعل الحصول على الخدمة حقًا بسيطًا، لا رحلة شاقة.
ولعل الوقت قد حان لأن تتحول تجربة الشباك الواحد من نموذج ناجح في بعض المؤسسات إلى أسلوب عمل في جميع الجهات الحكومية، لأن احترام المواطن يبدأ من احترام وقته.
مجــدى الجـنــدى